22.11
قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف.. ﴾ [الحج: 11] العبادة: أن تطيع الله فيما أمر فتنفذه، وتطيعه فيما نهى فتجتنبه، بعض الناس يعبد الله هذه العبادة طالما هو في خير دائم وسرور مستمر، فإذا أصابه شر أو وقع به مكروه ينقلب على وجهه ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه.. ﴾ [الحج: 11]. والحق سبحانه يريد من عبده أن يقبل على عبادته في ثبات إيمان، لا تزعزعه الأحداث، ولا تهز إيمانه فيتراجع، ربك يريدك عبدا له في الخير وفي الشر، في السراء وفي الضراء، فكلاهما فتنة واختبار، وما آمنت بالله إلا لأنك علمت أنه إله حكيم عادل قادر، ولا بد أن تأخذ ما يجري عليك من أحداث الحياة في ضوء هذه الصفات. فإن أثقلتك الحياة فاعلم أن وراء هذه حكمة إن لم تكن لك فلأولادك من بعدك، فلعلهم إن وجدوك في سعة وفي خير طمعوا وفسدوا وطغوا، ولعل حياة الضيق وقلة الرزق وتعبك لتوفر متطلبات الحياة يكون دافعا لهم. واقرأ قوله تعالى:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7] وقوله تعالى:
ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون
[الأنبياء: 35]. لا بد أن تعرف هذه الحقائق، وأن تؤمن بحكمة ربك في كل ما يجريه عليك، سواء أكان نعيما أو بؤسا، فإن أصابك مرض أقعدك في بيتك فقل: ماذا حدث خارج البيت، أبعدني الله عنه وعافاني منه؟ فلعل الخير فيما تظنه شرا، كما قال تعالى:
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم..
[البقرة: 216]. وقد أجرى علماء الإحصاء إحصاءات على بعض بيوتنا، فوجدوا الإخوة في البيت الواحد، وفي ظروف بيئية واحدة وأب واحد، وأم واحدة، حتى التعليم في المدرس على مستوى واحد، ومع ذلك تجد أحد الأبناء مستقيما ملتزما، وتجد الآخر على النقيض، فلما بحثوا في سبب هذه الظاهرة وجدوا أن الولد المستقيم كانت فترة تربيته وطفولته في وقت كان والده مريضا ويلازم بيته لمدة ست سنوات، فأخذ هذا الولد أكبر قسط من الرعاية والتربية، ولم يجد الفرصة للخروج من البيت أو الاختلاط برفاق السوء. وفي نموذج آخر لأحد الأبناء المنحرفين وجدوا أن سبب انحرافه أن والده في فترة تربيته وتنشئته كان تاجرا، وكان كثير الأسفار، ومع ذلك كان يغدق على أسرته، فتربى الولد في سعة من العيش، بدون مراقبة الأب. وفي نموذج آخر وجدوا أخوين: أحدهما متفوق، والآخر فاشل، ولما بحثوا أسباب ذلك رغم أنهما يعيشان ظروفا واحدة وجدوا أن الابن المتفوق صحته ضعيفة، فمال إلى البيت والقراءة والاطلاع، وكان الآخر صحيحا وسيما، فمال إلى حياة الترف، وقضى معظم وقته خارج البيت.
والأمثلة في هذا المجال كثيرة. إذن: فالابتلاءات لها مغانم، ومن ورائها حكم لأنها ناشئة وجارية عليك بحكمة ربك وخالقك، وليست من سعيك ولا من عمل يدك، وما دامت كذلك فارض بها، واعبد الله بإخلاص وإيمان ثابت في الخير وفي الشر. ومعنى: ﴿ يعبد الله على حرف.. ﴾ [الحج: 11] والحرف: هو طرف الشيء، كأن تدخل فتجد الغرفة ممتلئة فتجلس على طرف في آخر الجالسين، وهذا عادة لا يكون معه تمكن واطمئنان، كذلك من يعبد الله على حرف يعني: لم يتمكن الإيمان من قلبه، وسرعان ما يخرجه الابتلاء عن الإيمان، لأنه عبد الله عبادة غير متمكنة باليقين الذي يصدر عن المؤمن بإله حكيم فيما يجريه على عبده. والآية لم تترك شيئا من هواجس النفس البشرية سواء في الخير أو في الشر. وتأمل قول الله تعالى: ﴿ فإن أصابه خير.. ﴾ [الحج: 11] وكذلك: ﴿ وإن أصابته فتنة.. ﴾ [الحج: 11] فأنت لا تقول: أصبت الخير، إنما الخير هو الذي أصابك وأتاك إلى بابك، فأنت لا تبحث عن رزقك بقدر ما يبحث هو عنك لذلك يقول تعالى:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب..