تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واقترب الوعد الحق..

[الأنبياء: 97] فلا بد أن يعطينا هنا صورة لهذا الوعد، ونبذة عما سيحدث فيه، وصورة مصغرة تدل على قدرته تعالى على زلزال الآخرة، وأن الأرض ليس لها قوام بذاتها، إنما قوامها بأمر الله وقدرته، فإذا أراد لها أن تزول زالت. وكذلك في قوله تعالى:

وأخرجت الأرض أثقالها

[الزلزلة: 2]. فما نراه من البراكين ومن الثروات في باطن الأرض وعجائب يقع تحت هذه الآية لذلك قال تعالى:

له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى

[طه: 6]. ما دام الحق سبحانه يمتن بملكية ما تحت الثرى فلا بد أن تحت الثرى ثروات وأشياء نفيسة، ونحن الآن نخرج معظم الثروات من باطن الأرض، ومعظم الأمم الغنية تعتمد على الثروات المدفونة من بترول ومعادن ومناجم وذهب.. إلخ. وسبق أن ذكرنا أن الحق - سبحانه وتعالى - بعثر الخيرات في كونه، وجعل لكل منها وقته المناسب، فالرزق له ميلاد يظهر فيه:

وما ننزله إلا بقدر معلوم

[الحجر: 21]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها... ﴾.

22.2

والرؤية: قلنا قد تكون رؤية علمية أو رؤية بصرية، والشيء الذي نعلمه إما: علم اليقين، وإما عين اليقين، وإما حقيقة اليقين. علم اليقين: أن يخبر من تثق به بشيء، كما تواترت الأخبارعن الرحالة بوجود قارة أسموها فيما بعد أمريكا، وبها كذا وكذا، فهذا نسميه " علم يقين " ، فإذا ركبت الطائرة إلى أمريكا فرأيتها وشاهدت ما بها فهذا " عين اليقين " فإذا نزلت بها وتجولت بين شوارعها ومبانيها فهذا نسميه " حقيقة اليقين ". لذلك حين يخبر الله تعالى الكافرين بأن هناك عذابا في النار فهذا الإخبار صادق من الله فعلمنا به " علم يقين " ، فإذا رأيناها فهذا " عين اليقين " كما قال سبحانه:

ثم لترونها عين اليقين

[التكاثر: 7] فإذا ما باشرها أهلها، وذاقوا حرها ولظاها - وهذا مقصور على أهل النار - فقد علموها حق اليقين، لذلك يقول تعالى:

وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم

[الواقعة: 90-96]. ومعنى: ﴿ تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت.. ﴾ [الحج: 2] الذهول: هو انصراف جارحة عن مهمتها الحقيقية لهول رأته فتنشغل بما رأته عن تأدية وظيفتها، كما يذهل الخادم حين يرى شخصا مهيبا أو عظيما، فيسقط ما بيده مثلا، فالذهول - إذن - سلوك لا إرادي قد يكون ذهولا عن شيء تفرضه العاطفة، أو عن شيء تفرضه الغريزة. العاطفة كالأم التي تذهل عن ولدها، وعاطفة الأمومة تتناسب مع حاجة الولد، ففي مرحلة الحمل مثلا تجد الأم تحتاط في مشيتها، وفي حركاتها، خوفا على الجنين في بطنها، وهذه العاطفة من الله جعلها في قلب الأم للحفاظ على الوليد، وإلا تعرض لما يؤذيه أو يودي بحياته. لذلك، لما سألوا المرأة العربية عن أحب أبنائها ، قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى، فحسب الحاجة يعطي الله العاطفة، فالحامل عاطفتها نحو ولدها قوية، وهي كذلك في مرحلة الرضاعة. فانظر إلى المرضعة، وكيف تذهل عن رضيعها وتنصرف عنه، وأي هول هذا الذي يشغلها، ويعطل عندها عاطفة الأمومة والحنان ويعطل حتى الغريزة. وقد أعطانا القرآن صورة أخرى في قوله تعالى:

يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه

[عبس: 34-36]. ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يذكر هنا الأخ قبل الأب والأم، قالوا: لأن الوالدين قد يوجدان في وقت لا يرى أنهما في حاجة إليه، ولا هو في حاجة إليهما لأنه كبر، أما الأخ ففيه طمع المعونة والمساعدة.

وقوله تعالى: ﴿ كل مرضعة.. ﴾ [الحج: 2]. والمرضعة تأتي بفتح الضاد وكسرها: مرضعة بالفتح هي التي من شأنها أن ترضع وصالحة لهذه العملية، أما مرضعة بالكسر فهي التي ترضع فعلا، وتضع الآن ثديها في فم ولدها، فهي مرضعة فانظر - إذن - إلى مدى الذهول والانشغال في مثل هذه الحالة. وقوله تعالى: ﴿ وتضع كل ذات حمل حملها.. ﴾ [الحج: 2] بعد أن تكلم عن المرضع رقى المسألة إلى الحامل، ومعلوم أن الاستمساك بالحمل غريزة قوية لدى الأم حتى في تكوينها الجسماني، فالرحم بمجرد أن تصل إليه البويضة المخصبة ينغلق عليها، كما قال سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٢٤