تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. أما لو تعاليت على هذا الرجل، أو اتهمته بعدم المعرفة بمسالك الطرق، فإنه يدعك وشأنك، ويضن عليك بمجرد النصيحة. وهكذا.. الحق - سبحانه وتعالى - دل المؤمن ودل الكافر على الخير، المؤمن رضي بالله وقبل أمره ونهيه، وحمد الله على هذه النعمة، فزاده إيمانا وأعانه على مشقة العبادة، وجعل له نورا يسير على هديه، أما الكافر فقد تركه يتخبط في ظلمات كفره، ويتردد في متاهات العمى والضلال. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس... ﴾.

22.17

هذه فئات ست أخبر الله عنها بقوله: ﴿ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة.. ﴾ [الحج: 17] ومعنى الفصل بينهم أن بينهم خلافا ومعركة، ولو تتبعت الآيات التي ذكرت هذه الفئات تجد أن هناك آيتين في البقرة وفي المائدة. يقول تعالى:

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[البقرة: 62]. وفي المائدة يقدم الصابئين على النصارى، وفي هذا الموضع تأتي بالرفع بالواو، يقول تعالى:

إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[المائدة: 69]. ﴿ الذين آمنوا.. ﴾ [الحج: 17] أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ والذين هادوا.. ﴾ [الحج: 17] أي: اليهود، ثم النصارى وهما قبل الإسلام، أما الصابئون: فهؤلاء جماعة كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، ثم عبدوا الكواكب فسموا الصابئة لخروجهم عن الدين الحق. أما المجوس: فهم عبدة النار، والذين أشركوا: هم المشركون عبدة الأصنام والأوثان. أما التقديم والتأخير بين النصارى والصابئين، قالوا: لأن النصارى فرقة كبيرة معروفة ولهم نبي، أما الصابئة فكانوا جماعة خرجوا على نبيهم وخالفوه وأتوا بعقيدة غير عقيدته، فهم قلة، لكن سبقوا النصارى في الترتيب الزمني لذلك حين يراعي السبق الزمني يقول: ﴿ والصابئين والنصارى.. ﴾ [الحج: 17] وحين يراعي الكثرة والشهرة، يقول:

والنصارى والصابئين..

[البقرة: 62] فكل من التقديم أو التأخير مراد لمعنى معين. أما قوله:

والصابئون..

[المائدة: 69] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف، حيث عطفت على منصوب، والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه، فلماذا وسط مرفوعا بين منصوبات؟ قالوا: لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة، فكأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، والصابئون كذلك، فعطف هنا جملة تامة، فهي مؤخرة في المعنى، مقدمة في اللفظ، وهكذا تشمل الآية التقديم والتأخير السابق. لكن، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان؟ ينشأ الخلاف من أن قوما يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلغ عن هذا الإله، لكنهم يختلفون على أشياء فيما بينهم، كما نرى الخلاف مثلا بين المعتزلة وأهل السنة، أو الجبرية والقدرية، فجماعة تثبت الصفات، وآخرون ينكرونها، جماعة يقولون: الإنسان مجبر في تصرفاته، وآخرون يقولون: بل هو مختار. وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات، فأهل الديانات يؤمنون بالإله الفاعل المختار، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع أنهم جميعا حق. وقد ينشأ الخلاف من الادعاء، كالذين يدعون النبوة كهؤلاء الذين يعبدون النار، أو يعبدون بوذا مثلا. فهذه ست طوائف مختلفة ذكرتهم الآية، فما حكم هؤلاء جميعا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟ نقول: أما المشركون الذين عبدوا الأصنام، وكذلك الذين عبدوا النبوة المدعاة، فهؤلاء كفار ضائعون.

أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار، ويؤمنون بنبوة صادقة، فشأنهم بعد ظهور الإسلام، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر لهذه الديانات، فمن كان يهوديا قبل الإسلام، ومن كان نصرانيا قبل الإسلام، فإن الله أجرى لهم تصفية عقدية هي الإسلام، فإن كانوا مؤمنين الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أن يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين. لذلك قال بعدها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٤٦