تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.55

قوله: ﴿ في مرية ﴾ [الحج: 55] يعني: في شك من هذا، لذلك قلنا: إن أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم مكلفون من الله بأن يكونوا امتدادا لرسالته:

لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..

[البقرة: 143] شهداء أنكم بلغتم كما كان الرسول شهيدا عليكم، فكل منا كأنه مبعوث من الله، وكما شهد رسول الله عليه أنه أبلغه، كذلك هو يشهد أنه بلغ من بعد رسول الله لذلك جاءت هذه الآية للأمرين ليكون الرسول شهيدا عليكم، وتكونوا شهداء على الناس. والحق - سبحانه وتعالى - حينما حملنا هذه الرسالة قال: ما دمتم امتدادا لرسالة الرسول، فلا بد أن تتعرضوا لما تعرض له الرسول من استهزاء وإيذاء وإلقاء في أمنياتكم، فإن صمدتم فإن الله تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان، وينصر في النهاية أولياءه، وسيظل الإسلام إلى أن تقوم الساعة، وسيظل هناك أناس يعادون الدين ويشككون فيه، وسيظل الملحدون الذين يشككون الناس في وجود الله يخرجون علينا من حين إلى آخر بما يتناقض ودين الله كقولهم: إن هذا الكون خلق بالطبيعة، وترى وتسمع هذا الكلام في كتاباتهم ومقالاتهم. ولم يسلم العلم التجريبي من خرافاتهم هذه، فإن رأوا الحيوان منسجما مع بيئته قالوا: لقد أمدته الطبيعة بلون مناسب وتكوين مناسب لبيئته. وفي النبات حينما يقفون عند آية من آياته مثلا:

يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل..

[الرعد: 4] يقولون: إن النبات يتغذى بعملية الانتخاب، يعني النبات هو الذي ينتخب ويختار غذاءه، ففي التربة الواحدة وبالماء الواحد ينمو النبات الحلو والمر والحمضي والحريف، فبدل أن يعترفوا لله تعالى بالفضل والقدرة يقولون: الطبيعة وعملية الانتخاب. وقد تحدثنا مع بعض هؤلاء في فرنسا، وحاولنا الرد عليهم وإبطال حججهم، وأبسطها أن عملية الانتخاب تحتاج إلى إرادة واعية تميز بين الأشياء المنتخبة، فهل عند النبات إرادة تمكنه من اختيار الحلو أو الحامض؟ وهل يميز بين المر والحريف؟ إنهم يحاولون إقناع الناس بدور الطبيعة ليبعدوا عن الأذهان قدرة الله فيقولون: إن النبات يتغذى بخاصية الأنابيب الشعرية يعني: أنابيب ضيقة جدا تشبه الشعرة فسميت بها ، ونحن نعرف أن الشعرة عبارة عن أنبوبة مجوفة. وحين تضع هذه الأنبوبة الضيقة في الماء، فإن الماء يرتفع فيها إلى مستوى أعلى لأن ضغط الهواء داخل هذه الأنبوبة لضيقها أقل من الضغط خارجها لذا يرتفع فيها الماء، أما إن كانت هذه الأنبوبة واسعة فإن الضغط بداخلها سيساوي الضغط خارجها، ولن يرتفع فيها الماء. فقلنا لهم: لو أحضرنا حوضا به سوائل مختلفة، مذاب بعضها في بعض، ثم وضعنا به الأنابيب الشعرية، هل سنجد في كل أنبوبة سائلا معينا دون غيره من السوائل، أم سنجد بها السائل المخلوط بكل عناصره؟ لو قمت بهذه التجربة فستجد السائل يرتفع نعم في الأنابيب بهذه الخاصية، لكنها لا تميز بين عنصر وآخر، فالسائل واحد في كل الأنابيب، وما أبعد هذا عن نمو النبات وتغذيته.

وصدق الله حين قال:

الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى

[الأعلى: 2-3]. إذن: ما أبعد هذه التفسيرات عن الواقع! وما أجهل القائلين بها والمروجين لها! خاصة في عصر ارتقى فيه العلم، وتقدم البحث، وتنوعت وسائلة في عصر استنارت فيه العقول، واكتشفت أسرار الكون الدالة على قدرة خالقه عز وجل، ومع ذلك لا يزال هناك مبطلون. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة.. ﴾ [الحج: 55]. فهم - إذن - موجودون في أمة محمد إلى أن تقوم الساعة، وسنواجههم نحن كما واجههم رسول الله، وسيظل الشيطان يلقي في نفوس هؤلاء، ويوسوس لهم، ويوحي إلى أوليائه من الإنس والجن، ويضع العقبات والعراقيل ليصد الناس عن دين الله. هذا نموذج من إلقاء الشيطان في مسألة القمة، وهي الإيمان بالله. كما يلقي الشيطان في مسألة الرسول، فنجد منهم من يهاجم شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف وهو الأمي البدوي يقود أمة ويتهمونه ويخوضون في حقه، وفي مسألة تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم.. الخ مما يمثل عقبة في سبيل الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ونعجب لهجوم هؤلاء على رسول الله طالما هم كافرون به، إن هذا الهجوم يحمل في طياته إيمانا بأنه رسول الله، وإلا لما استكثروا عليه ولما انتقدوه، فلو كان شخصا عاديا ما تعرض لهذه الانتقادات. لذلك لا تناقش مثل هؤلاء في مسألة الرسول، إنما في مسألة القمة، ووجود الإله، ثم الرسول المبلغ عن هذا الإله، أما أن تخوض معهم في قضية الرسول بداية فلن تصل معهم إلى حل لأنهم يضعون مقاييس الكمال من عندهم، ثم يقيسون عليها سلوكيات رسول الله، وهذا وضع مقلوب، فالكمال نأخذه من الرسول ومن فعله، لا نضع له نحن مقاييس الكمال. ثم يشككون بعد ذلك في الأحكام، فيعترضون مثلا على الطلاق في الإسلام، وكيف نفرق بين زوجين؟ وهذا أمر عجيب منهم، فكيف نجبر زوجين كارهين على معاشرة لا يبغونها، وكأنهما مقترنان في سلسلة من حديد؟ كيف وأنت لا تستطيع أن تربط صديقا بصديق لا يريده، وهو لا يراه إلا مرة واحدة في اليوم مثلا؟ فهل تستطيع أن تربط زوجين في مكان واحد، وهما مأمونان على بعض في حال الكراهية؟ ويخيب الله سعيهم، ويظهر بطلان هذه الأفكار، وتلجئهم أحداث الحياة ومشاكلها إلى تشريع الطلاق، حيث لا بديل عنه لحل مثل هذه المشاكل. وقد ناقش هؤلاء كثيرا في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٩٧