والذين هم للزكاة فاعلون
[المؤمنون: 4] لم يقل مؤدون لأن
فاعلون
[المؤمنون: 4] تعني: أن نيتهم في الفعل أن يفعلوا على قدر طاقتهم ويجتهدوا لتوفير شيء بعد نفقاتهم يتصدقون منه. إذن: حرم الإسلام الرهبانية التي تحرم المجتمع من مشاركة الإنسان فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا رهبانية في الإسلام "
لأنه اعتبر كل حركة مقصود منها صالح المجتمع كله حركة إيمانية عبادية، ومن هنا كان العمل عبادة. وقد وضع العلماء شروطا لمن أراد الانقطاع للعبادة: أولها: ألا يأخذ نفقته من أحد، بمعنى أن يعمل أولا ليوفر احتياجاته طوال فترة انقطاعه، وصدق إقبال حين قال:
ليس زهدا تصوف من تقي
فر من غمرة الحياة بدين
إنما يعرف التصوف في ال
سوق بمال ومطمع وفتون
ثم يقول تعالى: ﴿ وصلوات.. ﴾ [الحج: 40] وهذه لليهود يسمون مكان التعبد: صالوتا. لكن، لماذا لم يرتبها القرآن ترتيبا زمنيا، فيقول: لهدمت صلوات وصوامع وبيع؟ قالوا: لأن القرآن يؤرخ للقريب منه فالأبعد. ﴿ ومساجد.. ﴾ [الحج: 40] وهذه للمسلمين ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيرا.. ﴾ [الحج: 40]. وما دام الحق سبحانه ذكر المساجد بعد الفعل ﴿ لهدمت.. ﴾ [الحج: 40] فهذا دليل على أنه لا بد أن يكون للمسلمين مكان يحكر للعبادة، وإن جعلت الأرض كلها لهم مسجدا وطهورا، ومعنى ذلك أن تصلي في أي بقعة من الأرض، وإن عدم الماء تتطهر بترابها، وبذلك تكون الأرض محلا للعبادة ومحلا لحركة الحياة وللعمل وللسعي، فيمكنك أن تباشر عملك في مصنعك مثلا وتصلي فيه، لكن الحق سبحانه يريد منا أن نخصص بعض أرضه ليكون بيتا له تنقطع منه حركة الحياة كلها، ويوقف فقط لأمور العبادة. لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ".
فقوله تعالى: ﴿ لهدمت.. ومساجد.. ﴾ [الحج: 40] تدل على مكان خاص للعبادة وإلا لو اعتبرت الأرض كلها مسجدا، فماذا تهدم؟ وعليه، فكل مكان تزاول فيه أمور غير العبادة لا يعتبر مسجدا، كأماكن الصلاة التي يتخذونها تحت العمارات السكنية، هذه ليست مساجد، والصلاة فيها كالصلاة في الشارع وفي البيت لأن المسجد مكان وما يبنى عليه مكين.
والمسجدية تعني: المكان من الأرض إلى السماء، بدليل أننا في بيت الله الحرام نصلي فوق سطح المسجد، ونتجه لجو الكعبة، لا للكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن جو الكعبة إلى السماء كعبة، وكذلك لو كنا في مخابىء أو في مناجم تحت الأرض لأن ما تحت الكعبة من الأرض كعبة. وكذلك في المسعى إذا ضاق الدور الأول يسعى الناس في الثاني وفي السطح، لأن جو المسعى مسعى. إذن: المسجد ما حكر للعبادة، وخصص للمسجدية من أرضه إلى سمائه، وهذا لا يمارس فيه عمل دنيوي ولا تعقد فيه صفقة.. إلخ. أما أن نجعل المسجد تحت عمارة سكنية، وفوق المسجد مباشرة يباشر الناس حياتهم ومعيشتهم بما فيها من هرج ولهو، حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، ومعاشرة زوجية.. إلخ فهذا كله يتنافى مع المسجدية التي جعلها الله حكرا للعبادة من الأرض إلى السماء. فلنسم هذه الأماكن: مصلى. ولا نقول: مسجد. ثم يصف الحق سبحانه المساجد بقوله: ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيرا.. ﴾ [الحج: 40] لأن ذكر الله في المساجد دائم لا ينقطع، ونحن لا نتحدث عن مسجد، ولا عن مساجد قطر من الأقطار، إنما المراد مساجد الدنيا كلها من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الشمال للجنوب. ولو نظرت إلى أوقات الصلوات لرأيت أنها مرتبطة بحركة الفلك وبالشمس في الشروق، وفي الزوال، وفي الغروب، وباعتبار فارق التوقيت في كل بلاد الله تجد أن ذكر الله دائم لا ينقطع أبدا في ليل أو نهار، فأنت تؤذن للصلاة، وغيرك يقيم، وغيركما يصلي، أنت تصلي الظهر، وغيرك يصلي الصبح أو العصر، بل أنت في الركعة الأولى من الصبح، وغيرك في الركعة الثانية، أنت تركع وغيرك يسجد. إذن: هي منظومة عبادية دائمة في كل وقت، ودائرة في كل مكان من الأرض، فلا ينفك الكون ذاكرا لله. أليس هذا ذكرا كثيرا؟ أليست كلمة الله أكبر دائرة على ألسنة الخلق لا تنتهي أبدا؟ ثم لما كان دفع الله الناس بعضهم ببعض ينتج عنه معركة تسفر عن منتصر ومنهزم، قال سبحانه: ﴿ ولينصرن الله من ينصره.. ﴾ [الحج: 40] فإن كان التدافع بين الكفار فإنه لا ينتهي، وإن كان بين حق لله وباطل حكم الله بأنه باطل لا بد أن تنتهي بنصرة الحق، وغالبا لا تطول هذه المعركة لأن الحق دائما في حضانة الله، إنما تطول المعارك بين باطل وباطل، فليس أحدهما أولى بنصرة الله من الآخر، فيظل كل منهما يطحن في الآخر، وإن لم تكن حربا ساخنة كانت حربا باردة، لماذا؟ لأنه لا يوجد قوي لا هوى له يستطيع أن يفصل فيها، وطالما تدخل الهوى تستمر المعركة.