تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون

[الأنعام: 129]. وهكذا يوفر الله أهل الخير، ويحقن دماءهم، ويريح أولياءه من مثل هذه الصراعات الباطلة. لذلك لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخول المنتصر، بعد أن أخرجه قومه منها، وبعد أن فعلوا به وبأصحابه الأفاعيل، كيف دخلها وهو القائد المنتصر الذي تمكن من رقاب أعدائه؟ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مطأطىء الرأس، حتى لتكاد رأسه تلمس قربوس السرج الذي يجلس عليه، تواضعا منه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قال أبو سفيان لما رأى رسول الله في هذا الموقف، قال للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. وبعد أن تمكن رسول الله من كفار مكة، وكان باستطاعته القضاء عليهم جميعهم، قال:

" يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء ".

فأي رحمة هذه؟ وأي لين هذا الذي جعله الله في قلوب المؤمنين؟ وهل مثل هذا الدين يعارض وينصرف عنه؟ إذن: يسلط الحق - تبارك وتعالى - الأشرار بعضهم على بعض، وهذه آية نراها في الظالمين في كل زمان ومكان، ويجلس الأخيار يرقبون مثل هذه الصراعات التي يهلك الله فيها الظالمين بالظالمين.

ثم يقول سبحانه وتعالى: ﴿ لهدمت صوامع وبيع.. ﴾ [الحج: 40] صوامع جمع صومعة، وهي مكان خاص للعبادة عند النصارى، وعندهم متعبد عام يدخله الجميع هو الكنائس، أما الصومعة فهي مكان خاص لينفرد فيه صاحبه وينقطع للعبادة، ولا تكون الصومعة في حضر، إنما تكون في الجبال والأودية، بعيدا عن العمران لينقطع فيها الراهب عن حركة حياة الناس، وهي التي يسمونها الأديرة وتوجد في الأماكن البعيدة. وقد حرم الإسلام الرهبانية بهذا المعنى لأنها رهبانية ما شرعها الله، كما قال سبحانه:

ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها..

[الحديد: 27]. ومعنى: ﴿ وبيع.. ﴾ [الحج: 40] البيع هي الكنائس. فالحق - سبحانه وتعالى - ما نعى عليهم الانقطاع للعبادة، لكن نعى عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة، وأسباب العيش لذلك قال:

فما رعوها حق رعايتها..

[الحديد: 27]. وقد أباح الإسلام أيضا الترهب والانقطاع للعبادة، لكن شريطة أن تكون في جلوة يعني: بين الناس، لا تعتزل حركة الحياة، إنما تعبد الله في كل حركة من حركات حياتك، وتجعل الله تعالى دائما في بالك ونصب عينيك في كل ما تأتي، وفي كل ما تدع، إذن: هناك فرق بين من يعبد الله في خلوته، ومن يعبد الله في جلوته. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفل به وينفق عليه، قال: أخوه أعبد منه. كيف؟ قالوا: لأنك تستطيع أن تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة، حين تخلص النية فيها لله عز وجل. ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر، كلاهما يعمل ويجتهد ليقوت نفسه وأهل بيته، ويحيا الحياة الكريمة، وهذا هدف الجميع من العمل، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماما. إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره، المؤمن يفعل على قدر طاقته، لا على قدر حاجته، ثم يأخذ ما يحتاج إليه وينفق من الباقي ويتصدق على من لا يقدر على الحركة الحياتية. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون

[المؤمنون: 1-4] هل يعني: مؤدون فقط؟ لا، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى، وفي نيته من لا يقدر على السعي والعمل، فكأنه يقبل على العمل ويجتهد فيه، وفي نيته أن يعمل شيئا لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يميز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر.

وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا الشيخ الحافظ التيجاني، وكان مريضا - رحمه الله ورضي الله عنه - وكان يسكن في حارة، وفضلنا أن نأخذ تاكسي يوصلنا بدل أن نمشي في وحل الشتاء، وعند مدخل الحارة رفض سائق التاكسي الدخول وقال: إن أجرة التوصيل لا تكفي لغسيل السيارة وتنظيفها من هذا الوحل، وبعد إلحاح وافق وأوصلنا إلى حيث نريد، فأعطيناه ضعف أجرته، لكني قبل أن أنصرف قلت له: أنت لماذا تعمل على هذا التاكسي ولماذا تتعب؟ قال: من أجل مصالحي ومصالح أولادي، فقلت له: وما يضيرك إن زدت على ذلك وجعلت في نيتك أن تيسر بعملك هذا على الناس؟ فاهتم الرجل ولبسته الكلمة فقال: والله لا أرد راكبا أبدا. ومعنى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٧٩