الذين أخرجوا من ديارهم..
[الحشر: 8]. فنسب الديار إليهم. ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة:
" وهل ترك لنا عقيل من دار أو من ربع؟ "
وكون عقيل يبيع دورهم بعد أن هاجروا، فهذا دليل على ملكيتهم لها. لذلك رجع الحنظلي إلى رأي الشافعي. هذا مع أن الآية تعني البيت فقط، لا مكة كلها، فما كان الخلاف ليصل إلى مكة كلها. ثم يقول تعالى: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ [الحج: 25]. الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى، وهو الإلحاد في الله عز وجل، أما هنا فيراد بالإلحاد: الميل عن طريق الحق، وقوله: ﴿ بظلم.. ﴾ [الحج: 25] الظلم في شيء لا يسمو إلى درجة الكفر، والإلحاد بظلم إن حدث في بيت الله فهو أمر عظيم لأنك في بيت ربك الكعبة. وكان يجب عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية، مجرد الإرادة هنا تعد ذنبا لأنك في مقام يجب أن تستشعر فيه الجلال والمهابة، فكما أعطى الله لبيته ميزة في مضاعفة الحسنات، كذلك عظم أمر المعصية وأنت في رحاب بيته، فتنبه لهذه المسألة. حتى في أمثال أهل الريف يقولون: تيجي في بيت العالم وتسكر يعني: السكر يتصور في بيت أحد العصاة، في بيت فاسق، في خمارة، لكن في بيت عالم، فهذا شيء كبير، وجرأة عظيمة. لماذا؟ فللمكان حرمة بحرمة صاحبة، فإذا كان للمكان حرمة بحرمة صاحبه، والبيت منسوب إلى الله، فأنت تعصي ربك في عقر داره، وأي جرأة أعظم من الجرأة على الله؟ وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكل المساجد في أي مكان بيوت الله، لكن هناك فرق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد الله لذلك جعل بيت الله باختيار الله البيت الحرام هو القبلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض. فما عاقبة الإلحاد في بيت الله؟ ﴿ نذقه من عذاب أليم ﴾ [الحج: 25] إنهم سيذوقون العذاب بأمر من الحق دائما وأبدا، والإذاقة أشد الإدراكات تأثيرا، وذلك هو العذاب المهين، والذوق هو الإحساس بالمطعوم شرابا كان أو طعاما، إلا أنه تعدى كل محس به، ولو لم يكن مطعوما أو مشروبا، ويقول ربنا عز وجل:
ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49]. أي: ذق الإهانة والمذلة، لا مما يطعم أو مما يشرب، ولكن بالإحساس، فالإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرجل تذوق، والصدر يذوق، والرقبة تذوق. وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله. وعذاب الآخرة سيكون مهولا، والعذاب هو إيلام الحس. إذا أحببت أن تديم ألمه، فأبق فيه آلة الإحساس بالألم.