تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[البقرة: 62]. فبعد ظهور الإسلام بدأت لهؤلاء جميعا - اليهود والنصارى والمجوس والمشركين - حياة جديدة، وفتحت لهم صفحة جديدة هم فيها أولاد اليوم، حيث لزمهم جميعا الإيمان بالله تعالى والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الإسلام تصفية وأوكازيون إيماني يجب ما قبله، وعفا الله عما سلف. والحق - سبحانه - حينما تكلم عن الأجيال السابقة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال:

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين

[آل عمران: 81]. لذلك نبه كل من موسى وعيسى - عليهما السلام - بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وبشروا به، بدليل قول الله تعالى:

فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..

[البقرة: 89] والمراد اليهود والنصارى. وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وجامعا للأديان كلها في الإسلام الذي زاد عليها ما زاد مما تقتضيه أمور الحياة وتطورات العصر، إلى أن تقوم الساعة. جاء الإسلام تصفية لهؤلاء، استأنفوها بإيمان، واستأنفوها بعمل صالح، فكان لهم أجرهم كاملا عند ربهم لا يطعن فيهم دينهم السابق، ولا عقائدهم الفاسدة الكافرة. أما إن حدث خلاف حول النبوات كما تذكر الآية التي نحن بصددها: ﴿ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ﴾ [الحج: 17] والفصل أن نعرف من المحق ومن المبطل، وهكذا جمعت الآيات بين حالة الاتفاق وحالة الاختلاف وبينت جزاء كل منهما. فالفصل إما فصل أماكن، وإما فصل جزاءات، قالوا: بالطبع فالحكم بينهم: هذا محق وهذا مبطل سيؤدي إلى اختلاف الأماكن واختلاف الجزاءات. وقوله تعالى: ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ [الحج: 17] لأن الله تعالى هو الحكم الذي يفصل بين عباده، والحكم يحتاج إما إلى بينة أو شهود، والشهود لا بد أن يكونوا عدولا، ولا يتحقق العدل في الشهادة إلا بدين يمنع الإنسان أن يميل عن الحق، فإن كان الحكم هو الله فلا حاجة لبينة، ولا حاجة لشهود لأنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.

ومن العجيب أن الحكم والفصل من الحق سبحانه يشمل كل السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية، فحكمه سبحانه لا يؤجل ولا يتحايل عليه، ولا تضيع فيه الحقوق كما تضيع في سراديب وأدراج المحاكم. أما حكم البشر فينفصل فيه التشريع عن القضاء عن التنفيذ، فربما صدر الحكم وتعطل تنفيذه، أما حكم الله فنافذ لا يؤجله شيء. إذن: المسألة لن تمر هكذا، بل هي محسوبة لك أو عليك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٤٧