ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]. إذن: لك أن تفهم السجود على أي هذه المعاني تحب، فلن تخرج عن مراده سبحانه، ومن رحمة الله أن جعل هذه المخلوقات خاضعة لإرادته، لا تنحل عنها أبدا ولا تتخلف، كما قال سبحانه:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. ونحن نتناقل الآن، ونروي بعض حوارات السالكين وأهل المعرفة وأصحاب الفيوضات الذين فهموا عن الله وتذوقوا لذة قربه، وكانوا يتحاورون ويتنافسون لا للمباهاة والافتخار، إنما للترقي في القرب من الله. جلس اثنان من هؤلاء العارفين وفي فم أحدهم نخمة يريد أن يبصقها، وبدت عليه الحيرة، وهو ينظر هنا وهناك فقال له صاحبه: ألقها واسترح، فقال: كيف وكلما أردت أن أبصقها سمعت الأرض تسبح فاستحيت أن ألقيها على مسبح، فقال الآخر - ويبدو أنه كان في منزلة أعلى منه - وقد افتعل البصق وقال: مسبح في مسبح. إذن: فأهل الكشف والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح، ويعترفون به، وعلى قدر ما لديك من معرفة بالله، وما لديك من فهم وإدراك يكون تلقيك وتقبلك لمثل هذه الأمور الإيمانية. والحق - سبحانه وتعالى - حين قال: { ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض.
. } [الحج: 18] معلوم أن من في السماوات هم الملائكة ولسنا منهم، لكن نحن من أهل الأرض ويشملنا حكم السجود وندخل في مدلولة، فلماذا قال بعدها: ﴿ وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. ﴾ [الحج: 18]. كلمة: ﴿ وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. ﴾ [الحج: 18] تبين أن لنا قهرية وتسخيرا وسجودا كباقي أجناس الكون، ولنا أيضا منطقة اختيار. فالكافر الذي يتعود التمرد على خالقه: يأمره بالإيمان فيكفر، ويأمره بالطاعة فيعصي، فلماذا لا يتمرد على طول الخط؟ لماذا لا يرفض المرض إن أمرضه الله؟ ولماذا لا يرفض الموت إن حل به؟ إذن: الإنسان مؤتمر بأمر الله مثل الشجر والحجر والحيوان، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام: كثير آمن، وكثير حق عليه العذاب. لكن، لماذا لم يجعل الله - سبحانه وتعالى - الخلق جميعا مسخرين؟ قالوا: لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل، إنما لا تثبت لله المحبوبية، المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار: أن تكون حرا مختارا في أن تؤمن أو تكفر فتختار الإيمان، وأن تكون حرا وقادرا على المعصية، لكنك تطيع. وضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى -: هب أن عندك عبدين، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلا، وتترك الآخر حرا، فإن ناديت عليهما أجاباك، فأيهما يكون أطوع لك: المقهور المجبر، أم الحر الطليق؟. إذن: التسخير والقهر يثبت القدرة، والاختيار يثبت المحبة. والخلاف الذي حدث من الناس، فكثير منهم آمن، وكثير منهم حق عليه العذاب، من أين هذا الاختلاف يا رب؟ مما خلقته فيك من اختيار، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فكأن كفر الكافر واختياره لأن الله سخره للاختيار، فهو حتى في اختياره مسخر. أما قوله تعالى: ﴿ وكثير من الناس.. ﴾ [الحج: 18] يعني: باختياراتهم، وكان المفروض أن يقول في مقابلها: وقليل، لكن هؤلاء كثير، وهؤلاء كثير أيضا. ومعنى: ﴿ حق عليه العذاب.. ﴾ [الحج: 18] حق: يعني ثبت، فهذا أمر لا بد منه، حتى لا يستوي المؤمن والكافر:
أفنجعل المسلمين كالمجرمين
[القلم: 35] إذن: لا بد أن يعاقب هؤلاء، والحق يقتضي ذلك. وقوله سبحانه: ﴿ ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء ﴾ [الحج: 18] لأن أحقية العذاب من مساو لك. قد يأتي من هو أقوى منه فيمنعه، أو يأتي شافع يشفع له، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - ييئس هؤلاء من النجاة من عذابه، فلن يمنعهم أحد. فمن أراد الله إهانته فلن يكرمه أحد، لابنصرته ولا بالشفاعة له، فالمعنى: ﴿ ومن يهن الله.. ﴾ [الحج: 18] أي: بالعذاب الذي حق عليه وثبت ﴿ فما له من مكرم.. ﴾ [الحج: 18] يعني: يكرمه ويخلصه من هذا العذاب، كذلك لا يوجد من يعزه لأن عزته لا تكون إلا قهرا عن الله، وهذا محال، أو يكون بشافع يشفع له عند الله، ولا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه سبحانه. لذلك، نقول: إن الحق سبحانه يجير على خلقه ولا يجار عليه، يعني: لا أحد يقول لله: هذا في جواري لذلك ذيل الآية بقوله تعالى: ﴿ الله يفعل ما يشآء ﴾ [الحج: 18]. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا... ﴾.