تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمار: " تقتله الفئة الباغية " "

وأخذوا يتركون جيش معاوية واحدا بعد الآخر، فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال: لقد فشت في الجيش فاشية، إن هي استمرت فلن يبقى معنا رجل واحد، فقال معاوية: وما هي؟ قال: يقولون: إننا قتلنا عمارا والنبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: " تقتله الفئة الباغية ". فاحتار معاوية ثم قال: قل لهم قتله من أخرجه للقتال - يعني: علي بن أبي طالب، فلما بلغ الكلام سيدنا عليا، قال: قولوا لهم: فمن قتل حمزة بن عبد المطلب؟ أي: إن كان الأمر كما تقولون فالنبي صلى الله عليه وسلم هو قاتل حمزة لأنه هو الذي أخرجه للقتال.

هذا هو الجدل عن علم، والعلم قد يكون علما بدهيا وهو العلم الذي تؤمن به ولا تستطيع أن تدلل عليه. أو علما عقليا استدلاليا، وقد يكون العلم بالوحي من الله لا دخل لأحد فيه، وسبق أن ضربنا مثلا للبدهيات بالولد الصغير حينما يرى أخاه يجلس بجوار أبيه على المقعد مثلا، فيأتي الصغير يريد أن يجلس هو بجوار الأب، فيحاول أولا أن يقيم أخاه من المكان فيشده ويجذبه ليخلي له المكان. وهنا نتساءل: كيف عرف الطفل الصغير أن الحيز لا يسع اثنين؟ ولا يمكن أن يحل بالمكان شيء إلا إذا خرج ما فيه أولا؟ هذه أمور لم نعلمها إلا في دراستنا الثانوية، فعرفنا معنى الحيز وعدم تداخل الأشياء، هذه المسألة يعرفها الطفل بديهة. ولو تأملت النظريات الهندسية لوجدت أن كل نظرية تبنى على نظرية سابقة، فلو أردت أن تبرهن على النظرية المائة تستخدم النظرية تسعين مثلا، وهكذا إلى أن تصل إلى نظرية بدهية لا برهان عليها. وهكذا تستطيع أن تقول: إن كل شيء علمي في الكون مبني على البدهيات التي لا تحتاج إلى برهان، ولا تستطيع أن تضع لها تعريفا، فالسماء مثلا، يقولون هي كل ما علاك فأظلك، فالسقف سماء، والغيم سماء، والسحاب سماء، والسماء سماء، مع أن السماء لا تحتاج إلى مثل هذا التعريف لأنك حين تسمع هذه الكلمة السماء تعرف معناها بديهة دون تعريف. وهذه الأمور البدهية لا جدل فيها لأنها واضحة، فلو قلت لهذا الطفل: اجلس على أخيك، فهذا ليس جدلا لأنه لا يصح. أما العلم الاستدلالي فأن تستدل بشيء على شيء، كأن تدخل بيتك فتجد عقب سيجارة مثلا في طفاية السجائر فتسأل: من جاءكم اليوم؟ ومثل الرجل العربي حين سار في الصحراء، فوجد على الأرض آثارا لخف البعير وبعره، فقال: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير. أما علم الوحي فيأتي من أعلى، يلقيه الله سبحانه على من يشاء من عباده. فعلى المجادل أن يستخدم واحدا من هذه الثلاثة ليجادل به، فإن جادل بغير علم فهي سفسطة لا طائل من ورائها. وقد نزلت هذه الآية: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم.. ﴾ [الحج: 3] في النضر بن الحارث، وكان يجادل عن غير علم في الوجود، وفي الوحدانية، وفي البعث.. إلخ. والآية لا تخص النضر وحده، وإنما تخص كل من فعل فعله، ولف لفه من الجدل. ثم يقول تعالى: ﴿ ويتبع كل شيطان مريد ﴾ [الحج: 3] أي: أن هذا الجدل قد يكون ذاتيا من عنده، أو بوسوسة الشيطان له بما يخالف منهج الله، سواء أكان شيطان الإنس أو شيطان الجن.

إذن: فالسيئات والانحرافات والخروج عن منهج الله لا يكون بوسوسة، إما من النفس التي لا تنتهي عن مخالفة، وإما من الشيطان الذي يلح عليك إلى أن يوقع بك في شراكه. لكن، لا نجعل الشيطان شماعة نعلق عليها كل سيئاتنا وخطايانا، فليست كل الذنوب من الشيطان، فمن الذنوب ما يكون من النفس ذاتها، وسبق أن قلنا: إذا كان الشيطان هو الذي يوسوس بالشر، فمن الذي وسوس له أولا؟ وكما قال الشاعر:

* إبليس لما غوى من كان إبليسه؟ *

وفرق بين المعصية من طريق النفس، والمعصية من طريق الشيطان، الشيطان يريدك عاصيا على أي وجه من الوجوه، أما النفس فتريدك عاصيا من وجه واحد لا تحيد عنه، فإذا صرفتها إلى غيره لا تنصرف وتأبى عليك، إلا أن توقعك في هذا الشيء بالذات. وهذا بخلاف الشيطان إذا تأبيت عليه ولم تطعه في معصية صرفك إلى معصية أخرى، أيا كانت، المهم أن تعصي، وهكذا يمكنك أن تفرق بين المعصية من نفسك، أو من الشيطان. ولما سئل أحد العلماء: كيف أعرف: أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ قال: هذه مسألة ليست عند العلماء إنما عندك أنت، قال: كيف؟ قال: انظر في نفسك، فإن كان الذي يأخذ منك الصدقة أحب إليك ممن يعطيك هدية، فاعلم أنك من أهل الآخرة، وإن كانت الهدية أحب إليك من الصدقة فأنت من أهل الدنيا. ذلك لأن الإنسان يحب من عمر له ما يحب، فالذي يعطيك يعمر لك الدنيا التي تحبها فأنت تحبه، وكذلك الذي يأخذ منك يعمر لك الآخرة التي تحبها فأنت تحبه. فهذه مسألة لا دخل للشيطان فيها. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٢٧