ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى..
[الحج: 5]. فإذا ما جاء وقت الميلاد انفتح له بقدرة الله، فهذه - إذن - مسألة غريزية فوق قدرة الأم ودون إرادتها. إذن: وضع هذا الحمل دليل هول كبير وأمر عظيم يحدث. والحمل نوعان: ثقل تحمله وهو غيرك، وثقل تحمله في ذاتك، ومنه قوله تعالى:
وسآء لهم يوم القيامة حملا
[طه: 101] والحمل بكسر الحاء: هو الشيء الثقيل الذي لا يطيقه ظهرك، أما الحمل بالفتح فهو: الشيء اليسير تحمله في نفسك. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ليس بحمل ما أطاق الظهر
ما الحمل إلا ما وعاه الصدر
أي: أن الشيء الذي تطيق حمله ويقوى عليه ظهرك ليس بحمل، إنما الحمل هو الهم الذي يحتويه الصدر. ثم يقول سبحانه: ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج: 2] سكارى: أي يتمايلون مضطربين، مثل السكارى حين تلعب بهم الخمر، وتطوحهم يمينا وشمالا، وتلقي بهم على الأرض، وكلما زاد سكرهم وخروجهم عن طبيعتهم كان النوع شديدا!! وهكذا سيكون الحال في موقف القيامة لا من سكر ولكن من خوف وهول وفزع ﴿ وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج: 2]. لكن، من أين يأتي اضطراب الحركة هذا؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق الجوارح، وخلق في كل جارحة غريزة الانضباط والتوازن، وعلماء التشريح يحددون في الجسم أعضاء ومناطق معينة مسئولة عن حفظ التوازن للجسم، فإذا ما تأثرت هذه الغدد والأعضاء يشعر الإنسان بالدوار، ويفقد توازنه، كأن تنظر من مكان مرتفع، أو تسافر في البحر مثلا. فهذا الاضطراب لا من سكر، ولكن من هول ما يرونه، فيحدث لديهم تغييرا في الغدد والخلايا المسئولة عن التوازن، فيتمايلون، كمن اغتالته الخمر. وقوله تعالى: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج: 2] إنهم لم يروا العذاب بعد، إنها مجرد قيام الساعة وأهوالها أفقدتهم توازنهم لأن الذي يصدق في أن القيامة تقوم بهذه الصورة يصدق في أن بعدها عذابا في جهنم، إذن: انتهت المسألة وما كنا نكذب به، ها هو ماثل أمام أعيننا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله... ﴾.