تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان

[يوسف: 41]. شاهدنا في هذه القصة هو قوله تعالى:

واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب..

[يوسف: 38] ويوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فسمى الأجداد آباء. وقد يسمى العم أبا، كما جاء في قوله تعالى:

أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق..

[البقرة: 133] فعد إسماعيل في آباء يعقوب، وهو عمه. إذن: لو أن القرآن الكريم حينما تحدث عن أبي إبراهيم فقال لأبيه في كل الآيات لانصرف المعنى إلى الأبوة الصلبية الحقيقية، أما أن يقول ولو مرة واحدة

لأبيه آزر..

[الأنعام: 74] فهذا يعني أن المراد عمه لأنه لا يؤتي بالعلم بعد الأبوة إلا إذا أردنا العم، كما نقول نحن الآن حين نريد الأبوة الحقيقية: جاء أبوك هكذا مبهمة دون تسمية، وفي الأبوة غير الحقيقية نقول: جاء أبوك فلان. وبناء عليه فقد ورد قوله تعالى:

لأبيه آزر..

[الأنعام: 74] مرة واحدة، ليثبت لنا أن آزر ليس هو الأب الصلبي لإبراهيم، وإنما هو عمه، وبذلك يسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم طهارة نسبه ونقاء سلسلته إلى آدم عليه السلام. وقوله: ﴿ يأبت.. ﴾ [مريم: 42] وكان التركيب العربي يقتضي أن يقول: يا أبي، إلا أنهم يحذفون ياء المتكلم ويعوضون عنها بالتاء، فلماذا؟ قالوا: لأن أبت لها ملحظ دقيق، فهو يريد أن يثبت أنه وإن كان أبا إلا أن فيه حنان الأبوين: الأب والأم. فجاء بالتاء التي تشير إلى الجانب الآخر لذلك نجدها لا تقال إلا في الحنانية المطلقة يا أبت كما لو ماتت الأم مثلا، فقام الأب بالمهمتين معا، وعوض الأبناء حنان الأم المفقود. وقوله: ﴿ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ﴾ [مريم: 42] يبدو من أسلوب إبراهيم عليه السلام مع أبيه أدب الدعوة، حيث قدم الموعظة على سبيل الاستفهام حتى لا يشعر أباه بالنقص، أو يظهر له أنه أعلم منه. ﴿ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ﴾ [مريم: 42] نلحظ أنه لم يقل من البداية: لم تعبد الشيطان، بل أخر هذه الحقيقة إلى نهاية المناقشة، وبدل أن يقول الشيطان حلل شخصيته، وأبان عناصره، وكشف عن حقيقته: لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا، فهذه الصفات لا تكون في المعبود، وهي العلة في أن نتجنب عبادة ما دون الله من شجر أو حجر أو شيطان، وخصوصا في بيئة إبراهيم - عليه السلام - وكانت مليئة بالأوثان والأصنام.

لأن العبادة ماذا تعني؟ تعني طاعة عابد لمعبود في أمره ونهيه، فالذين يعبدون ما دون الله من صنم أو وثن أو شمس أو قمر، بماذا أمرتهم هذه المعبودات؟ وعن أي شيء نهتهم؟ وماذا أعدت هذه المعبودات لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن عصاها؟ ما المنهج الذي جاءت به حتى تستحق العبادة؟ لا يوجد شيء من هذا كله، إذن: فعبادتهم باطلة. ثم يقول: ﴿ يأبت إني قد جآءني... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٧٥