تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل: أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب الى ابعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، حيث وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا.

وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة انساب المسيح. ذلك أن نص إنجيل متة يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا. اذ أن هذا الاخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الانسان على الارض. غير ان وجود هذه الامور المتناقضة وتلك التي لا يحتلمها التصديق، وتلك الآخرى التي لا تتفق والعلم - لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعف الايمان بالله. ولا تقع المسؤلية فيها إلا على البشر. ولا يستطيع أحدا أن يقول كيف كانت النصوص الاصلية، وما نصيب الخيال والهوى في عملية تحريرها، او ما نصيب التحريف المقصود من قبل كتبة هذه النصوص، او ما نصيب التعديلات غير الواعية التي ادخلت على الكتب المقدسة.

ان ما يصدمنا حقا في أيامنا هذه ان نرى المتخصصين في دراسة النصوص يتجاهلون ذلك التناقض والتعارض مع الحقائق العلمية الثابتة، او نراهم يكشفون عن بعض نقاط الضعف ليحاولوا التستر عليها، مستعينين في ذلك ببهلوانات جدلية.

وسنقدم في هذا الكتباب أمثلة لاستخدام وسائل التستر على التناقض او على امر بعيد التصديق، مما يسمونه " صعوبة " استحياء منهم، وأنه كان ناجحا في كثير من الاحيان. وهذا ما يفسر لنا كيف ان كثيرا من المسيحيين ظلوا يجهلون نقاط الضعف الخطيرة في كثير من المقاطع في العهد القديم وفي الأناجيل وسيجد القارئ، في الجزئين الأول والثاني من هذا الكتاب امثلة صحيحة في ذلك.

اما الجزء الثالث فسيجد فيه القارئ أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دارسة أحد الكتب المقدسة، وهو تطبيق لم يكن يتوقعه الانسان. كما سيجد القارئ في ذلك بيانا لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد، من اجل فهم أكمل لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة او غير مفهومة. ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما ان الدين والعلم توأمان متلازمان.

فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. والواقع أن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى الى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الاسلامية. تلك الحضارة التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا. ان التقدم الذي تم اليوم، بفضل المعارف العلمية، في شرح بعض ما لم يكن مفهوما، أو بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن، من آيات القرآن- ليشكل قمة المواجهة بين العلم والكتب المقدسة ".

هذه مقتطفات مختصرة جدا من مقدمة هذا الكتاب الرائع الذي يقدم لنا شهادة صادقة صادرة عن دراسة وبحث بأمانة وحياد وشجاعة بدون تحيز ولا تعصب.

﴿ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون ﴾.

وبمثل هذا التنويع في عرض الدلائل الكونية، نعرض آياتنا في القرآن منوعة مفصلة، لنقيم الحجة بها على الجاحدين، فلا يجدوا الا اختلاق الكذب، فيتهموك بأنك تعلمت من الناس لا من الله.

قراءات:

قرأ ابن كثير وابو عمرو " دارست " وابن عامر ويعقوب " درست " بصيغة الماضي.

هكذا بين سبحانه لرسوله ان الناس في شأن القرآن فريقان: فريق فسدت فطرتهم ولم يبق لديهم استعداد لهدية، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات، ومن ثم كان نصيبهم منه الجحود والانكار. وفريق آخر اهتدى به وعمل بما فيه.. من ثم أمر رسوله ان يتبع ما أوحي اليه من ربه، وان يعرض عن المشركين، ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم.

﴿ اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ﴾.

تيسير التفسير · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٣٢٩