تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26.82

﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ أي: الجزاء. وخطيئته ما كان يراها هو صلوات الله عليه ويعدها بالنسبة لمقامه الكريم.

قال أبو السعود: ذكره عليه الصلاة والسلام هضما لنفسه وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر وطلب مغفرة لما يفرط منهم وتلافيا لما عسى يندر منه عليه السلام من الصغائر، وتنبيها لأبيه وقومه على أن يتأملوا في أمرهم فيقفوا على أنهم من سوء الحال في درجة لا يقادر قدرها، فإن حاله عليه السلام، مع كونه في طاعة الله تعالى وعبادته، في الغاية القاصية، حيث كانت بتلك المثابة. فما ظنك بحال أولئك المغمورين في الكفر، وفنون المعاصي والخطايا؟

وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع أنها إنما تغفر في الدنيا، لأن أثرها يومئذ يتبين، ولأن في ذلك تهويلا له وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه، إن لم تغفر.

وبعد أن ذكر عنايته تعالى به من مبدأ خلقه إلى بعثه، حمله ذلك على مناجاته، فقال:

﴿ رب هب لي... ﴾.

26.83-84

﴿ رب هب لي حكما ﴾ أي: حكمة، أو حكما بين الناس بالحق، أو نبوة، لأن النبي ذو حكم وحكمة. ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ أي: وفقني لأنتظم في سلكهم، لأكون من الذين جعلتهم سببا لصلاح العالم وكمال الخلق. ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ أي: ذكرا جميلا بعدي، أذكر به ويقتدى بي في الخير كما قال تعالى:

وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين

[الصافات: 108-110].

قال القتبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن القول يكون به، وقد تكني العرب به عن الكلمة. وعليها حمل قول الأعشى:

إني أتتني لسان لا أسر بها

من علو، لا عجب منها ولا سخر

وجوز أن يكون المعنى: واجعل لي صادقا من ذريتي، يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه من التوحيد. وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ولذا قال صلى الله عليه وسلم:

" أنا دعوة أبي إبراهيم "

، فالكلام بتقدير مضاف. أي: صاحب لسان صدق. أو مجاز بإطلاق الجزء على الكل، لأن الدعوة باللسان.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٢١٤