26.23-25
﴿ قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السموت والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون ﴾ أي: لهذا النبأ العجيب، وهو توحيد المعبود. وإنما عده جديرا بأن يتعجبوا منه، لنهم، على ما حققه المؤرخون، غلوا في عبادة الأصنام وتعديد الآلهة غلوا أربوا على كل من سواهم في الضلال. فكانوا يسجدون للشمس والقمر، والنجوم، والأشخاص البشرية، والحيوانات، حتى الهوام، وأدنى حشرات الأرض.
26.26-28
﴿ قال ربكم ورب آبآئكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ أي: لكونه يدعو إلى خلاف ما عقل عن الآباء.
﴿ قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون ﴾ أي: شيئا ما، أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قتله. وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر، بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة، وتلويح بأنهم بمعزل من دائرة العقل، وإنهم المتصفون بما رموه عليه السلام به من الجنون.
تنبيه
ذهب بعض المفسرين إلى أن فرعون كان من المعطلة، لا يقر بخالق، ولا يعترف بمعبود. لظاهر قوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38] وأن قومه كانوا لا يؤلهون سواه.
قال ابن كثير: ومن زعم من أهل المنطق أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط. فإنه لم يكن مقرا بالصانع، حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر. انتهى.
وقدمنا أنه حقق الاكتشاف الصحيح والتاريخ الوثيق، أنه كان من الوثنيين الغالبين. وأن له ولقومه عدة معبودين علويين وسفليين.
وعليه فمعنى قوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38] أي: مطاع عظيم، وكانوا لا يتحاشون من إطلاق الإله على الجبار المسيطر. فبقي سؤاله بما يحتمل أن يكون على نهج القاعدة المنطقية، من طلب الاكتناه، وتعجبه من جوابه، ثم رميه بالجنون، ثانيا، لعدوله عن الكنه إلى الأثر. ويحتمل أن يكون لتعرفه من جهة وحدته في ربوبيته التي ادعاها موسى، وأن تعجبه لما شاهد من الجد في الدعوة والثبات عليها، والصدع بما يؤلم عظمته، ويغمز جبروته؛ وهذا هو الذي أذهب إليه، فإن القوم بمعزل عن أن يعجبوا لكون الجواب كان بالرسم لا بالحد، إذ هو اصطلاح لفئة خاصة، ومع هذا فالنظم يحتمله ولا يأباه. وقد عول عليه كثير من أهل النظر، ولا بأس بأن نأثر شيئا من لطائفهم فيه.
قال الرازي: السؤال ب (ما) طلب لتعريف حقيقة الشيء. وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة، أو بشيء من أجزائها، أو بأمر خارج عنها، أو بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريفها بنفسها فمحال؛ لأن المعرف معلوم قبل المعرف. فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوما قبل أن يكون معلوما، وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلية فيها، فهاهنا في حق واجب الوجود محال، لأن التعريف بالأمور الداخلة، لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركبا، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركبا؛ لأن كل مركب، فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه. وكل واحد من أجزائه فهو غيره؛ فكل مركب محتاج إلى غيره. وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته.
وكل مركب فهو ممكن، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركبا. فواجب الوجود ليس بمركب، وإذا لم يكن مركبا استحال تعريفه بأجزائه. ولما بطل هذان القسمان، ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود، إلا بلوازمه وآثاره.
ثم إن اللوازم قد تكون خفية، وقد تكون جلية. ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية، بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية. وأظهر آثار ذات واجب الوجود، وهو هذا العالم المحسوس، وهو السماوات والأرض وما بينهما.
فقد ثبت أنه لا جواب البتة لقول فرعون:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23] إلا ما قاله موسى عليه السلام، وهو أنه رب السماوات والأرض وما بينهما. فأما قوله:
إن كنتم موقنين