25.68-70
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ أي: لا يشركون بعبادة ربهم أحدا، فالدعاء بمعنى العبادة ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ أي: حرمها بمعنى حرم قتلها. ومنه الوأد وغيره ﴿ إلا بالحق ﴾ أي: المزيل لحرمتها وعصمتها ﴿ ولا يزنون ومن يفعل ذلك ﴾ أي: ما ذكر من هذه القبائح العظام ﴿ يلق أثاما ﴾ أي: يجد في الآخرة جزاء إثمه ﴿ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ﴾ أي: ذليلا محتقرا جامعا لعذابي الجسم والروح ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي: لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
قال الحافظ ابن كثير: وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل. ولا تعارض بين هذه وآية النساء:
ومن يقتل مؤمنا متعمدا...
[النساء: 93] الآية، فإن هذه، وإن كانت مدنية، إلا أنها مطلقة. فتحمل على من لم يتب. لأن هذه مقيدة بالتوبة. ثم قال تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به
[النساء: 48 و 116] الآية، وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل. كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب فقبل الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث.
ثم قال: وفي معنى قوله تعالى: ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قولان: أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في هذه الآية: هم المؤمنون. كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن السيئات. فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وكذا قال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين. وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وكذا قال الحسن: أبدلهم بالعمل السيء العمل الصالح. وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وبالفجور إحصانا، وبالكفر إسلاما.
والقول الثاني: إن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح، حسنات. وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى، ندم واسترجع واستغفر. فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. انتهى.
ولابن القيم رحمه الله تعالى في (طريق الهجرتين) في هذا المقام بسط حسن وتناظر متقن، لا بأس بإيراده، لعظم فائدته. قال رحمه الله (بعد شرحه لحديث فرح الله بتوبة عبده ما مثاله): وها هنا مسألة، هذا الموضع أخص المواضع ببيانها. وهي أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحا، فهل تمحى تلك السيئات وتذهب، لا له ولا عليه، أو إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه، من المفسرين وغيرهم، قديما وحديثا. فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة قال ابن عطية: يجعل أعمالهم، بدل معاصيهم الأولى طاعة.
فيكون ذلك سببا لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن. ورد على من قال هو في يوم القيامة. قال: وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة، يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين، بدل سيئاته حسنات. وذكره الترمذي والطبري. وهذا تأويل سعيد بن المسيب في هذه الآية.
قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو. انتهى. وسيأتي ذكر الحديث والكلام عليه. وقال الثعلبي: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ يبدلهم الله تقبيح أعمالهم في الشرك، محاسن الأعمال في الإسلام. فيبدلهم بالشرك وبقتل المؤمنين، قتل المشركين. وبالزنا، عفة وإحصانا.
وقال آخرون: يعني يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم، حسنات يوم القيامة وأصل القولين، أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال إنه في الدنيا، قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها. وهي حسنات، وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفر ويذهب أثرها، فأما أن تنقلب حسنة فلا. فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب، فكيف تنقلب محبوبة مرضية؟