25.26-29
﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن ﴾ أي: فلا يدعيه ثم غيره. ويكون له سبحانه السلطة القاهرة الشاملة ﴿ وكان يوما على الكافرين عسيرا * ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ أي: تشتد حسراته وتتصاعد زفراته ﴿ يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ﴾ يعني من أضله عن الذكر، وصده عن سبيل الله ﴿ لقد أضلني عن الذكر ﴾ أي: القرآن، أو موعظة الرسول ﴿ بعد إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ﴾ أي: مبالغا في إضلاله، يعده ويمنيه في الدنيا، ما يحسره عليه في العقبى.
25.30
﴿ وقال الرسول ﴾ أي: إثر ما شاهد من عتوهم وعنادهم ﴿ يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾ أي: متروكا، معرضا عنه. وجملة
وقال الرسول } عطف على { وقال الذين لا يرجون
[الفرقان: 21] وما بينهما اعتراض، سيقت لانتظام ما قالوه وطلب النصر عليهم واستنزال الفرج الإلهي مما أضاقوا به الصدور، وجلبوه من الكدور، وللإشارة إلى ما يحيق بهم من شقاء الدارين.
تنبيه
الآية، وإن كانت في المشركين، وإعراضهم هو عدم إيمانهم، إلا أن نظمها الكريم مما يرهب عموم المعرضين عن العمل به، والأخذ بآدابه. الذي هو حقيقة الهجر. لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك. إذ لا تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها. ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها.
ومن (فوائد) الإمام ابن القيم رحمه الله قوله في هذه الآية: هجر القرآن أنواع:
أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.
والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم. والرابع: هجر تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها. فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. قال: وكل هذا داخل في هذه الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. انتهى.
وفي (الإكليل): إن في الآية إشارة إلى التحذير من هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه. وكذا قال أبو السعود: فيه تلويح بأن من حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد للقرآن، كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. ثم قال: وفيه من التحذير ما لا يخفى. فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم، عجل لهم العذاب ولم ينظروا.
ثم ذكر تعالى ما يكون أسوة لنبيه، وتسلية له، ووعدا بالنصرة، بقوله:
﴿ وكذلك جعلنا... ﴾.