ومنها: أن للإمام أن يفعل مثل ذلك لمصلحة، أي: يمتنع من أخذ الواجب إذا حصل له وجه شابه الوجه الذي حصل في قصة ثعلبة. انتهى.
الثالث: قال السيوطي في (الإكليل): فيها أن إخلاف الوعد والكذب من خصال النفاق، فيكون الوفاء والصدق من شعب الإيمان. وفيها المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه لقوله: ﴿ فأعقبهم نفاقا ﴾ واستدل به قوم على أن من حلف إن فعل كذا فلله علي كذا، أنه يلزمه. وآخرون على أن مانع الزكاة يعاقب بترك أخذها منه، كما فعل بمن نزلت الآية فيه. انتهى.
الرابع: قال الرازي: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد، وخلف الوعد، يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه، فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به. ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية، وبقوله عليه السلام:
" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ".
الخامس: دل قوله تعالى: ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ على أن ذلك المعاهد مات منافقا. قال الرازي: وهذا الخبر وقع مخبره مطابقا له، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال:
" إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك "
وبقي على تلك الحالة، وما قبل أحد من الخلفاء رضي الله عنهم صدقته حتى مات، فكان إخبارا عن غيب، فكان معجزا.
السادس: الضمير في ﴿ يلقونه ﴾ للفظ الجلالة، والمراد ب (اليوم) يوم القيامة، وله نظائر كثيرة في التنزيل. وأعرب بعض المفسرين حيث قال: الضمير في ﴿ يلقونه ﴾ إما لله، والمراد باليوم وقت الموت، أو للبخل والمراد يوم القيامة والمضاف محذوف، وهو الجزاء. انتهى.
واللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان لقاء مناسبا لحالهم من وقوفهم للحساب مع حجبهم عنه تعالى؛ لأنهم ليسوا أهلا لرؤيته، تقدس اسمه. وإذا أضيف إلى المؤمنين، كما في قوله تعالى:
تحيتهم يوم يلقونه سلام
[الأحزاب: 44]، كان لقيا مناسبا لمقامهم من رؤيته تعالى، وذلك لما أفصحت عنه آيات أخر من حال الفريقين، مما يتنزل مثل ذلك عليها. فمن وقف في بعض الآيات على لفظة، وأخذ يستنبط منها، ولم يراع من استعملت فيه، وأطلقت عليه، كان ذلك جمودا وتعصبا، لا أخذا بيد الحق.
نقول ذلك ردا لقول الجبائي: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى، فلا يفيدها أيضا في قوله تعالى:
تحيتهم يوم يلقونه سلام
[الأحزاب: 44]. وللرازي معه مناقشة من طريق أخرى. وما ذكرناه أمتن. والله أعلم.
السابع: قال الرازي: (السر) ما ينطوي عليه صدورهم، و(النجوى) ما يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم، وهو مأخوذ من النجو، وهو الكلام الخفي، كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما، وتباعدا من غيرهما.
ثم بين تعالى من مساوئ المنافقين نوعا آخر، وهو لمزهم المتصدقين بقوله سبحانه:
﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات... ﴾.