" من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها "
ونحوه، فالمراد منها: ما لم يؤد حقها، لقوله صلى الله عليه وسلم، فيما أورده الشيخان: البخاري في تاريخه، ومسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره "
انتهى.
وقد اشتهرت محاورة معاوية لأبي ذر في هذه الآية.
روى البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت في الشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة... ﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تنحيت، فكنت قريبا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمر علي عبد حبشي لسمعت وأطعت.
ولابن جرير في رواية (بعد قول عثمان له: تنح قريبا) قلت: والله لن أدع ما كنت أقول.
وروى أبو يعلى أن أبا ذر كان يحدث ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، إلا ما ينفقه في سبيل الله، أو يعده لغريم. فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة، فابعث إلى أبي ذر، فكتب إليه عثمان أن أقدم علي، فقدم.
قال ابن كثير: كان من مذهب أبي ذر رضي الله عنه تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته. فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم أنزله بالربذة: وبها مات رضي الله عنه في خلافة عثمان.
وقد اختبره معاوية رضي الله عنه وهو عنده، هل يوافق عمله قوله، فبعث إليه بألف دينار، ففرقها من يومه، ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب. فقال: ويحك! إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به.
وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، يتزلزل. قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا. قال: وأدبر واتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئا، إنما يجمعون الدنيا - رواه مسلم، وللبخاري نحوه -.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر:
" ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا، يمر علي ثلاثة أيام، وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده لدين ".
قال ابن كثير: فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا.
أي: وما أخرجه الشيخان أيضا عنه، قال:
" انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: " هم الأخسرون ورب الكعبة! " قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار حتى قمت فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: " هم الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم " ".
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه، أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسا. قال: قلت: لو ادخرته لحاجة بيوتك، وللضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه، فهو جمر على صاحبه، حتى يفرغه في سبيل الله عز وجل إفراغا.