17.48-49
ثم قال: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ أي: وصفوا لك الأمثال حيث قالوا: ساحر أو مجنون ﴿ فضلوا ﴾ أي: أخطأوا في المقالة فتحيروا ﴿ فلا يستطيعون سبيلا ﴾ أي: لا يجدون مخرجا مما قالوا لتناقض قولهم لأنهم قالوا مرة ساحر والساحر عندهم المبالغ في العلم ومرة قالوا مجنون والمجنون عندهم من هو في غاية الجهل. قال ابن الصائب: وذلك أن أبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وغيرهم كانوا يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستمعون إلى حديثه فقال النضر ذات يوم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث أصحابه ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتاه تتحركان فقال أبو جهل: هو مجنون وقال أبو لهب: بل هو كاهن وقال حويطب: بل هو شاعر فنزل ﴿ وإذا قرأت القرءان ﴾ إلى قوله: ﴿ قل عسى أن يكون قريبا ﴾. وقوله: ﴿ وقالوا أءذا كنا عظما ﴾ أي صرنا عظاما ﴿ ورفتا ﴾ أي: ترابا ﴿ أءنا لمبعوثون ﴾ أي: لمجيئون ﴿ خلقا جديدا ﴾ والاختلاف في قوله: أئنا في القرآن مثل ما ذكرنا في الرعد.
17.50-53
قال الله تعالى: ﴿ قل كونوا حجارة ﴾ اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر، يعني: لو كنتم من الحجارة ﴿ أو حديدا ﴾ أو من الحديد ﴿ أو خلقا مما يكبر فى صدوركم ﴾ قال مجاهد: حجارة أو حديدا أو ما شئتم فكونوا. فسيعيدكم الله الذي فطركم أول مرة كما كنتم، ويقال أو خلقا مما يكبر في صدوركم يعني: السماء والأرض والجبال. وقال الكلبي: معناه لو كنتم الموت لأماتكم. وعن الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا: أو خلقا مما يكبر في صدوركم يعني الموت فيبعثكم كما خلقكم أول مرة قالوا لو كنا من الحجارة أو من حديد أو من الموت فمن يعيدنا؟ وهو قوله تعالى: ﴿ فسيقولون من يعيدنا قل ﴾ يا محمد فسيعيدكم الله ﴿ الذى فطركم ﴾ أي: خلقكم ﴿ أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ يهزون إليك رؤوسهم تعجبا من قولك. وقال القتبي: يعني يحركونها استهزاء بقولك. وقال الزجاج أي: سيحركون رؤسهم تحريك من يستثقله ويستبطئه ﴿ ويقولون متى هو ﴾ يعنون: البعث ﴿ قل عسى أن يكون قريبا ﴾ وكل ما هو آت فهو قريب، وعسى من الله واجب. قالوا يا محمد فمتى هذا القريب؟ فنزل ﴿ يوم يدعوكم ﴾ يعني: إسرافيل وهي النفخة الأخيرة ﴿ فتستجيبون بحمده ﴾ يقول: تخرجون من قبوركم بأمره وتقصدون نحو الداعي. وقال مقاتل: يوم يدعوكم من قبوركم فتستجيبون للداعي بأمره. وذلك أن إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن: أيتها العظام البالية واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اخرجوا من قبوركم فيخرجون من قبورهم. ثم قال: ﴿ وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ﴾ أي: ما لبثتم في القبور إلا يسيرا قال الكلبي: وذلك أنه يرفع عنهم العذاب ما بين النفختين. وبينهما أربعون سنة فينسون العذاب فيظنون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يسيرا. وروي ذلك عن ابن عباس وهذا أصح ما قيل فيه. لأن بعض المبتدعين قالوا إذا وضع الميت في قبره لا يكون عليه العذاب إلى وقت البعث فيظنون أنهم مكثوا في القبر قليلا قوله: ﴿ وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ﴾ قال ابن عباس كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤذيهم المشركون بمكة بالقول فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل ﴿ وقل لعبادى ﴾ أي المسلمين ﴿ يقولوا التى هى أحسن ﴾ أي: يجيبوا بجواب حسن، برد السلام بلا فحش وهذا كقوله:
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63] ويقال: نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، سبه رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر الله تعالى بالكف عنه. ويقال: نزلت في شأن عمر رضي الله عنه كان بينه وبين كافر كلام ثم قال تعالى ﴿ إن الشيطن ينزغ بينهم ﴾ أي: يوسوس ويوقع بينهم العداء لعنه الله ليفسد أمرهم ﴿ إن الشيطن كان للإنسن عدوا مبينا ﴾ أي: ظاهر العداوة وهذا كقوله: