تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم..

[الأحزاب: 7] الآية. قال الفقيه أخبرني الثقة بإسناده عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن هذه الآية فقال

" إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار "

وبهذا احتج الجبرية أن ما عمل عبد عملا من خير أو شر إلا ما قدره الله تعالى يوم الميثاق. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر، فقال لأصحاب اليمين هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال للآخرين هؤلاء في النار ولا أبالي. وروى أسباط عن السدي في قول الله تعالى ﴿ وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ﴾ الآية. قال لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر. فقال ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. ثم أخذ منهم الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى. فأجابه طائفة طائعين وطائفة كارهين فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. فلما رويت فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله تعالى عنهم ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة. وهذا كقوله:

وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم

[الأحقاف: 11] أما الجواب عن قولهم إنه قال من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم فالمعنى في ذلك والله أعلم أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من صلبه ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر. فذكر الأخذ من ظهور ذريته ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلا عليه كما قال الله تعالى

ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون

[غافر: 46] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلا عليه. وأما الجواب عن قولهم إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان. أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى: من العقل ما يكونوا به من أهل الخطاب، ألا ترى أن نملة سليمان بن داود عليهما السلام قد تكلمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان، وسبح الطير والجبال مع داود. فكذلك هذا. والجواب الثاني: أنهم كانوا كالذر في الإزدحام والكثرة. لا في الخلقة والجثة. ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم (لأن الذر إذا كثرت وازدحمت لا يعرف عددها.

فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم). والجواب عن قولهم أنه لا تكون الحجة بشيء لم يذكر: أن يقال أن الله تعالى قد أرسل الرسل وأخبرهم بذلك الميثاق. وإذا أخبرهم الرسل بذلك صار حجة عليهم، فإن قيل إن الرسل وإن أخبروهم فإذا لم يذكروا ذلك فكيف يصير حجة عليهم؟ قيل لهم وإن لم يذكروا صار قول الثقات حجة عليهم. ألا ترى أن رجلا لو طلق امرأته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان بأنه قد طلقها قبل غيبته عنها. يجب عليه أن يقبل قولهما، وكذلك لو صلى فشهد عليه عدلان أنه ترك ركعة من صلاته وجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان لا يذكر فكذلك ها هنا. والجواب عن قولهم إنه لم يقل أحييتنا ثلاث مرات لأن الإحياء المعروف مرتان فذكر الإحياء الذي كان معروفا عنده وقوله تعالى: ﴿ شهدنا ﴾ قال بعضهم هذا حكاية عن قول الذرية قالوا بلى شهدنا. وتم الكلام. ثم في الآية مضمر ومعناه أخذنا عليهم الميثاق لكي لا يقولوا هذا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (وقال بعضهم إنما تم الكلام عند قوله بلى ثم إنه قال تعالى شهدنا يعني شهدنا عليكم وأخذنا عليكم الميثاق لكيلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين) ﴿ أو تقولوا ﴾ أي: لكيلا تقولوا ﴿ إنما أشرك ءاباؤنا من ﴾ ونقضوا العهد ﴿ وكنا ذرية من بعدهم ﴾ لم نعلم به ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ يعني آباؤنا المشركون. فإن قيل هل كان إقرارهم إيمانا منهم؟ قيل له أما المؤمنون كان إقرارهم إيمانا وأما الكافرون فلم يكن إقرارهم إيمانا لأن إقرارهم كان تقية ولم يكن حقيقة قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ذرياتهم بلفظ الجماعة. وقرأ الباقون ذريتهم بلفظ واحد - لأن الذرية قد أضافها إلى الجماعة فاستغنى عن لفظ الجمع. وقرأ أبو عمرو أن يقولوا بالياء، وكذلك في قوله أو يقولوا. وقرأ الباقون كليهما بالتاء على معنى الخطاب. قوله عز وجل: ﴿ وكذلك نفصل الآيت ﴾ يعني: هكذا نبين الآيات في أمر الميثاق ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ إلى اقرارهم وإلى التوبة. فالواو الأولى للعطف وهو قوله وكذلك والواو الثانية زيادة للوصل وهي قوله ولعلهم يرجعون ومعناه: وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون. أي لكي يرجعوا.

بحر العلوم · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٤٢٩