وقال الآخرون بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها، وكانوا ثلاث فرق، فرقة على أيمانهم وفرقة على شمائلهم وفرقة على وسطهم، فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت وجعلت تقول الله يحذركم بأس الله، وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها وكفت ألسنتها، وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه، وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها وألسنتها ولم تتكلم تقول: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا. فقال الذين ينهون معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم، فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد فقالوا لعل الله خسف بهم أو رموا من السماء بحجارة. فارفعوا رجلا ينظر، فجعلوا رجلا على سلم فأشرف عليهم فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غير الله تعالى صورهم بصنيعهم فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب ودخلوا منازلهم فجعلوا لا يعرفون أنسابهم ويقولون لهم ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟ فيشيرون برؤوسهم بلى. ودموعهم تسيل على خدودهم فأخبر الله تعالى (أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأخذ الذين ظلموا) قوله ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾. ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا. وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأهلك الفريقين الآخرين فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام. وروي في رواية أخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك (ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت) من البحر، وقالوا إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا، فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا فضربوا حائطا بينهم وصارت الواعظة في ناحية والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين، فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما فارتقى واحد منهم الحائط فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة، وقال بعضهم كان القوم أربعة أصناف، صنف يأخذون وصنف يرضون وصنف ينهون وصنف يسكتون. فنجا صنفان وهلك صنفان، قال بعضهم كانوا صنفين: صنف يأخذون وصنف ينهون. وروى قتادة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني ونجا الثالث والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.
قرأ نافع بعذاب بيس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بيأس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة. وقرأ الباقون بعذاب بئيس بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة. والأولى لغة لبعض العرب. ثم قال: ﴿ فلما عتوا عما نهوا عنه ﴾ يعني تركوا ما وعظوا به ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خسئين ﴾ يعني صاغرين مبعدين عن رحمة الله. قوله تعالى: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم، وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام، ومعناه قال ﴿ ليبعثن ﴾ أي ليسلطن ﴿ عليهم إلى يوم القيمة ﴾ أي: على بني إسرائيل والذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿ من يسومهم سوء العذاب ﴾ يعني يعذبهم بالجزية والقتل ﴿ إن ربك لسريع العقاب ﴾ إذا عاقب من أصر على كفره ﴿ وإنه لغفور ﴾ لمن تاب من الشرك ﴿ رحيم ﴾ بعد ذلك، ثم قال ﴿ وقطعنهم ﴾ أي: فرقناهم ﴿ في الأرض أمما ﴾ أي: فرقا ﴿ منهم الصلحون ﴾ أي المؤمنون وهم مؤمنو أهل الكتاب. ويقال هم الذين وراء رمل عالج ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ وهم الكفار منهم ﴿ وبلونهم بالحسنت والسيئات ﴾ يعني اختبرناهم بالخصب والجدوبة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من الكفر إلى الإيمان ثم قال ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ يعني بعد بني إسرائيل خلف السوء ﴿ ورثوا الكتب ﴾ يعني التوراة ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال مجاهد يعني: يأخذون ما يجدون حلالا أو حراما ويتمنون المغفرة ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ أي: وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه ويقال: معناه: إنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه ويقال يطلبون بعلمها الدنيا ويقال يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا هذه المرة وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. ويقولن مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئا. وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى. يقول يعملون بالذنوب ويقولون سيغفر لنا. ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه يعني الذنوب. قال الله تعالى: ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب ﴾ يعني ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة ﴿ أن لا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ أي إلا الصدق ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ أي قرءوا ما فيه: ﴿ والدار الآخرة خير للذين يتقون ﴾ أي: يتقون الشرك ويحلون حلاله ويحرمون حرامه ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الآخرة خير من الدنيا ويقال أفلا يعقلون ما يدرسون من الكتاب ويقال: أفلا يعقلون أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أفلا تعقلون بالتاء على وجه المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة. قوله تعالى: ﴿ والذين يمسكون بالكتب ﴾ يعني يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ يعني أتموا الصلاة المفروضة ﴿ إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ يعني عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. قرأ عاصم في رواية أبي بكر يمسكون بالتخفيف. وقرأ الباقون يمسكون بالتشديد على معنى المبالغة.