فصل
[في الرد على الملكية]
قد قدمنا من مذهب الملكية: أن الجوهر غير الأقانيم. ونحن الآن نوضح عليهم طلبة. فنقول: الجوهر المغاير للأقانيم مما ثل لها، أو مخالف لها؟ ولهم في ذلك طرق: فمنهم من يمتنع عن إطلاق المخالفة والموافقة، وإذا استبعد ذلك منهم تمثلوا بمذهب مثبتي الصفات، وقالوا: من أثبت الصفات القديمة، لم يصفها بالاختلاف، ولا بالتماثل. فإن لم يبعد ذلك من الإسلاميين، لم يبعد منا. وسبيل الجواب عن ذلك أن يقال: إنما امتنع بعض الإسلاميين من إطلاق الاختلاف من حيث قدروا لفظ الاختلاف منبئاً عن التغاير، وقدروا التغاير منبئاً عن جواز العدم في أحد المتغاير، والنصارى-نعنى الملكية منهم-لم يمتنعوا عن إطلاق المغايرة، فلا وجه في الامتناع عن إطلاق الاختلاف أو التماثل.
ثم نقول: من امتنع من الإسلاميين عن إطلاق ذلك، إنما يمتنع عن إطلاق اللفظ مع اعتقاد حقيقة الاختلاف. ومن أصل الإسلاميين الذين يسلكون هذا المسلك، ألا يطلقوا في ذات الله وصفاته، إلا ما يرد فيه إذن شرعي. والاختلاف بين الصفات ثابت عقال قطعا، وإنما الامتناع عن إطلاقه لأمر يرجع إلى الشرع. وقد قال القاضي في طائفة من المحققين: لا منع في إطلاق الاختلاف على الصفات، مع تبعيد اللفظ عن الإيهام والإبهام. فسقطت معارضتهم من هذه الوجوه.
ثم نقول: لو سلم لكم ما ذكر تموه في لفظ الاختلاف، فلا يستتب ذلك لكم في معناه. ونحن نقول: الجوهر هل يسدمسد الأقانيم، وهل ثبتت له أحكامها أم لا؟ فلا يجدون إلى الجواب عنه سبيلا. فإذا قلبوا ذلك علينا علينا في الصفات، أطلقنا القول بأن العلم لا يسد مسد القدرة، ولا يثبت له خاص وصفها، وإذا كان الإلزام على هذا السبيل لم تستقم عليه معارضتهم.
وسلك بعضهم مسلكا آخر-وهو حقيقة أصلهم-فقالوا: الجوهر يوافق