ثم كل موصوف جوهر. وتمسكوا في ذلك بالشاهد المحض من غير اعتبار ربط. والاستشهاد بمحض الشاهد على الغائب يجر إلى التعطيل، والقول بالدهر، إذ طرده يوجب أن يقول القائل: لا موجود إلا وهو حادث، تمسكا بالشاهد، ولا طير إلا من بيض، إلى غير ذلك مما سنوضحه في كتاب ((الصفات)) إن شاء الله.
وأقرب ما يلزمهم أن يجعلوا الدهر القديم متحيزاً مختصاً ببعض الأقطار تمسكاً بالشاهد، ويجعلوه قابلا للإعراض رجوعاً إلى محض الوجود. وهذا مما يأباه النصارى. فإن من أصلهم تقديس الإله عن الحدود، والأقطار، والجهات، والغايات، وقبول الحوادث والأعراض، فبطل ما عولوا عليه من كل وجه.
القول في ذكر مذاهبهم في الاتحاد
وتدرع اللاهوت بالناسوت ووجوه الرد عليهم فيها
اعلموا عصمكم الله أن أول ما يحتاج إلى تقديمه ذكر مذاهبم في الاتحاد، والتدرع على التفصيل. ولهم فيه مذاهب متباينة، وهم فيها متقاطعون، متدبرون، يكفر بعضه بعضاً.
والذي صار إليه معظمهم أن الكلمة حلت المسيح، كما يحل العرض محله. وعنوا بالكلمة العلم الذي هو أقنوم الجوهر؛ فهذا مذهب لفريق منهم.
وصار طائفة من اليعقوبية والنسطورية إلى أن الكملة خالطة جسد المسيح وما زجته، كما يمارج الخمر اللبن. وذهب معظم اليعاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحماً ودماً. وذهب الروم في معنى الاتحاد إلى الاختلاط والامتزاج، كما قدمناه أولا. غير أنهم زادوا وجهاً فقالوا: ما زجب الكلمة المسيح، ثم صارا شيئاً واحداً. وربما عبروا عن مذهبهم فقالوا: صار الاثنان واحداً، وصارت الكثرة قلة. وعبروا بالكثرة عن العدد قبل الاختلاط، وبالقلة عن الاتحاد.