فصل
[في إبطال كونه تعالى خالقاً في أزله بالخالقية]
قد ذكرنا في خلل الكلام من مذاهب الكرامية، أنهم وصفوا الرب تعالى بكونه خالقاً في أزله. وبنوا ذلك على أصلهم في أن الرب سبحانه لا يثبت له اسم جديد فيا لا يزال، لم يكن ثابتاً له في الأزل. وقد صار بعض المنتمين إلى أصحابنا إلى أن القديم كان موصوفاً في أزله بكونه خالقاً، وعنى هؤلاء بذلك كونه قادراً على الخلق والاختراع. والاختلاف يؤول إلى العبارات دون المعاني.
وسلك الكرامية مسلكاً آخر، فزعموا أن القديم خالق في أزله بالخالقية؛ ولم يفسروا ذلك بالاعتذار على المحلق. وهذا الذي قالوه باطل من أوجه. أحدها: أن الخالق مبني على قضية الإطلاق على الأفعال، مسند إليها، جار عليها. فإذا استحال إطلاق ما عليه يجري الاسم، استحال اطلاق الاسم. وبيان ذلك أن الأمة أجمعت على منع اطلاق القول بأن القديم خلق في أزله وكان يخلق، فإذا امتنع قولهم: يخلق، والخالق جاز على الماضي والمضارع، وجب أن يمتنع اطلاقه أيضاً.
ومن متناقض القول بين أرباب الألباب أن يقول القائل: خالق ما خلق قط.
ثم نقول لهم: لو وجب من الأصل الذي ذكرتموه، وهو الحكم بقدم أسماء الله، كونه خالقاً على الجملة، وجب تسميته خالقاً على التفصيل، حتى يقال: كان في أزله خالقاً للجواهر على التخصيص. وقد امتنع من ذلك الكرامية.
ولو تعسف منهم متعسف، وارتكبه، قرعنها بما لا مخلص له منه، وقلنا: لو وجب طرد الأسماء؛ مطلقها ومضافها، لوجب أن يقال: كان الرب رائياً للعام قبل جوده. وهذا نص مذهب ((السالمية))، ومن أبعد الناس عنه الكرامية. فإنهم منعوا كون العدم معلوماً، فكيف يثبتونه مرئياً!