فصل
[في إبطال كون القديم قائلا بالقول القائم به]
اعلموا وفقكم الله أنه لا يستقيم على أصول المعتزلة إقامة الدلالة على أن القديم تعالى لا يقبل الحوادث، إذ العمدة في المسألة على أن ما يقبل الحوادث لا يخلو منها، وهذا لا يستمر على أصولهم مع قولهم: يجوز تعرى الجواهر عن كثير من أجناس الأعراض مع صحة قبولها لها على ما سبق تفصيل مذهبهم. فلا مطمع لهم في طرد هذه الدلالة. وكذلك لا يصح منهم توبيخ الكرامية في نقضهم العلل. والمعتزلة قد نقضوا العلل حيث أثبتوا الأحكام المعللة شاهداً، وأثبتوها غائباً غير معللة. وكذلك لا تمسك لهم بإيجاب كون القديم قائلا بالقول القائم به، إذ يبطل على مذهبهم من أوجه: فمن أقربها: أنهم أثبتوا للذات حكما مما لم يقم بها، المانع من نفي الحكم عن الذات مع قيام المعنى، بها، فليس إثبات الحكم للذات دون قيام المعنى بها بأقرب من نفي الحكم مع قيام المعنى. وتحصيل القول في ذلك إنه إنما يستمر استبعاد انتفاء الحكم عمن قام به المعنى ممن يخصص ثبوت الحكم بمن قام به المعنى، وينفيه عمن انتفى عنه المعنى.
ومما يصد المعتزلة عن هذه النكتة قولهم: إن العلم القائم بجزء من الجملة لا يوجب له كونه عالماً، بل العالم، الجملة،
ويستوي في استحقاق الوصف الجزء الذي قام به المعنى والذي لم يقم له، ولا يخص محل العلم بحكم منه. ولا يستقيم أيضاً من المعتزلة أن ينكروا على ينكروا على الكرامية قصرهم القدرة على الذات وتعديتهم أمر القول.
ومن أصلهم أن القدرة الحادثة لا يتعدى الحادث بها محلها، والاعتماد الحادث في محل القدرة يتعدى أثره محله، ولا يستقيم منهم استبعاد ثبوت محدثات غير مدورة مع مصيرهم إلى أن الأفعال المتولدة حادثة بالأسبات، غير مقدورة. وقد انسدت عليهم المسالك، وصدهم تناقض مذهبهم عن كل منهاج في الحجاج.