فإما الذين قالوا: إن الجوهر غير الأقانيم، فهؤلاء أقرب إلى إبطال التثليث من الأولين. فإنهم إذا أثبتوا الأقانيم، وصرحوا بعددها، ثم أثبتوا الجوهر مغايراً لها، فقد زادوا على الثلاثة وأفصحوا بذلك. إذ من ضرورة كل مغاير لمتعدد أن يجوز عدّه مع المتعدد. فإذا لزم اليعقوبية والنسطورية، إبطال التثليث، فلزوم ذلك باللكية أولى.
فإنا قالوا الجوهر، وإن غاير الأقانيم الثلاثة، فهو مع الأقانيم ثلاثة.
قلنا: هذا الآن حجد الضرورة، وتلاعب بقضية العقل، فإنكم صرحتم بالمغايرة أولا، ثم زعمتم أن الذي هو غير الأقانيم عين الأقانيم، وهذا غاية الجهل. ثم لم يبعد ذلك فيما ألزمتم، لم يبعد أن يقال: الإبن وإن غاير الآب فهو هو، والكلمة وإن غارت الروح والوجود، فتعد معهما أقنومين. فليس عدّ الكلمة مع الروح والوجود أقنومين بأبعد من عد الجوهر المغاير للأقانيم الثلاثة معها ثلاثة.
وإن تعسف من لا يحصل مذهبهم لا يتحاشى من إثبات أربعة، ولكن إلهه ثلاثة. فهذا خروج عن مذاهب النصارى، وإبداع قولة لم يصر إليها أحد منهم، فإنهم مطبقون على التثليث من كل وجه.
ثم نقول: إذا أثبتم الجوهر زائداً على الأقانيم، فما المانع من كون الجوهر إلهاً؟ فإنا إن لم نبعد وصف كل أقنوم بأنه إله، وإن كان كل أقنوم لا يتصف بالوجود، فالجوهر أولى بالإلهية، فإنه موجود موصوف بالأقانيم. والإله المخترع هو الحي، العالم، القادر. والجوهر هو الموصوف بكونه حيا عالما موجوداً. فإن العلم إذا اختص بذات، لوجب كونها عالمة به، وكذلك القول في الحياة. ويستحيل علم به، كما يستحيل عالماً لا علم له. والعلم الذي هو أقنوم عندهم، ليس بعالم في نفسه، والحياة ليست بحية. والحي بالحياة، والعالم بالعلم، الجوهر. والموجود، الحي العالم، أولى بالإلهية من صفة لا توصف بأوجود، وهذا واضح لإخفاء به.