تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا: إن رضيتم بذلك حكماً خصمتم. وذلك أنا إذا أثبتنا الأحوال، فيتصف الجوهر مع أحواله بأنهما معلومات، ولا يتحاشا من الأحوال. ثم إذا لم يستبعد ذلك في الأحوال. لم يستبعد في الجوهر الموجود. فإذا وصفنا الجوهر ثلاثة من الأحوال، لم يبعد أن يكون الجوهر معها أربعة. بل الجوهر أولى بالعد من أحوال. ولو امتنع من العد، فنمتنع عن تعدد الأحوال دون الذوات. فأما المصير إلى عد الأحوال، والامتناع من عد الجوهر، فهو قلب للحقائق، وتمسك بما يناقضها. فإن الذات الثابتة، الموصوفة حوال، المنعوتة بالوجود، أولى بالعد من الأحوال التي لا تتصف على حيالها بالوجود. فقد وضح بطلان مذاهبهم؛ واضطراب مطالبهم من كل وجه، واستبان أنه لا مستروح لهم في مذاهب مثبتي الأحوال.

ومما ينبغي أن لا يغفل المحصل عنه في مجارى كلامه، أن يقول: ما يحصل من مذهبكم، أن الأقنوم لا يتصف بالوجود، ثم وصفتموه بكونه علماً، حياة، وهذا خروج عن قضية التحقيق. فإن ما ثبت له وصف عام، ووصف خاص، فمن المستحيل ثبوت الوصف الخاص مع انتفاء العام. إيضاح ذلك أن كل حادث لما اتصف بالوجود والحدوث، وكان الحدوث أخص من الوجود، فاستحال ثبوت الحدوث دون الوجود، وإن لم يستحل على الجملة ثبوت الوجود دون الحدوث. وكذلك السواد اتصف بكونه سواداً اتصف بكونه سواداً وكونه لونا، وكونه عرضاً. ثم كونه سواداً أخص من كونه لونا، وكونه لونا، وكونه لونا أخص من كونه عرضا. فاستحال سواد ليس بلون، وإن لم يستحل لون ليس بسواد. واستحال لون ليس بعرض، وإن لم يستحل عرض ليس بلون. وسنستقي ذلك في الصفات إن شاء الله.

فإذا ثبت ذلك قلنا: كل علم متصف بالوجود، وكونه علماً أخص من وجوده، فإذا جاز وصف الأقنوم بأخص الوصفين، وجب وصفه بأعمهما. فهذا وجه الكلام على هؤلاء.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٠٣