تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقال لهم: إذا جعلتم كل أقنوم إليهاً، فهلا جعلتم الجوهر إلهاً؟ وهذا ما لا محيص لهم عنه. إن اعترفوا بذلك، زيغوا وانسلوا من النصرانية. والنصارى على اختلاف مللهم مجمعون على التثليث. فهذا لو زعموا أن الأقانيم موجودات. فإن زعموا أنها لا توصف بالوجود ونزلوها منزلة الأحوال، قلنا: عليهم طرق، أقربها مأخذاً نفي الأحوال. فإذا سددنا عليهم طرق إثبات الأحوال، بطل كل ما عولوا عليه، وصدهم عن إثبات الأحوال هين مع إنكارهم كون القيام بالنفس حالا، وكذلك قولهم في السمع، والبصر، والبقاء، والقدم، وكل ما يحيل كون هذه الأشياء أحوالا، فهو متحقق في الأقانيم التي ذكروها. وسنذكر في رد الأحوال وإثباتها قولا مقنعاً في كتاب ((الصفات)) إن شاء الله تعالى. فهذه طريقة.

ولنا أن نقول: إن منعتم كون الجوهر غير الأقانيم، وقدر استقامة ذلك لكم، فما قولكم في كل أقنوم مع الأقنوم الآخر؟ فإن زعموا أنهما متغايران، فقد هدموا ما بنوا ونقضوا ما استبنوا. فإن الأقانيم لا تتصف بالوجود في ذواتها، فيكف تتصف بالتغاير؟ وإن لم يبعد ذلك، فلئن لا يبعد التغاير بين الجوهر والأقنوم أولى. فإنه إذا تغاير معلومان، غير موصوفين بالوجود، فلأن يمتنع أن يغاير موجود معلق ما لا يوصف بالوجود أولى. وإن زعموا أن الأقانيم لا تتغاير، فقد قاربوا. ولكن يقال لهم: الأقانيم مع امتناع تغايرها، تثبت وتوضح بأنها ثلاثة، فما المانع من عد الجواهر رابعاً له، وإن لم يكن مغايراً لها؟ وهذا ما لا محيص منه إلى النباذ. وإن عادوا إلى الجهالة الأولى، وزعموا أن الجوهر الجوهر عين الأقانيم، عدنا لهم، وأوضحنا افتضاحهم.

فإن قالوا: قولنا فيما ألزمتمونا، كقولكم في الجوهر وأحواله، إذا أثبتم الأحوال.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٠٢