أحالوا في العرض، فإحالته في صفة النفس أولى، إذ صفات النفس ألزم، وهي باستحالة التعدى أخلق وأجدر، إذ العرض القائم بالحل، يجوز تقدير عدمه عنه
مع إعادته في غيره، ولا يجوز تقدير مزايلة صفة النفس.
وربما قررنا هذا القسم من وجه آخر فقلنا: جسد المسيح، والناسوت منه، إذا قدّر عاريا عن الكلمة، ثم حلته الكلمة، فلا يتقرر ذلك إلا بأن يحدث فيه معنى لم يكن، أو ينتقل إليه معنى. ويستحيل ثبوت معنى من غير حدوث ولا انتقال. وقد قالت النصارى باستحالة حدوث الكلمة، واستحالة انتقالها. فبطل ما قالوه.
ولو ظن ظان بالنصارى أنهم يزعمون أن الكلام زالت عن الجوهر القديم، فهو يخالف مذهبهم. على أنه يلزم على ذلك وجوده من الفساد: أحدهما: أن لا يكون الجوهر-بعد مولد عيسى-عالما. وهذا لم يصر إليه أحد منهم، ويلزم عليه مزايلة صفة النفس للنفس، إذ الكلمة عندهم صفة نفس للجوهر، وصفات النفس لا تزول، إذ لو جاز زوالها، لجاز زوال صفة الجوهر الحادث، وهذا ممنوع وفاقا.
ثم يلزم وجها آخر من الاستحالة وهو: أن ينتقل ما لا يقوم بنفسه، فيلزم من ذلك تجويز انتقال الأعراض، وذلك يجر إلى جواز قيام الأعراض بالأعراض، أو إلى جواز انتقال الجواهر من غير أعراض، وهذا مما أشبعنا القول فيه في صدر الكتاب. ثم تجويز انتقال الأعراض أقرب من تجويز انتقال صفات الأنفس، فإن صفة النفس لا توصف، على حيالها، بالوجود، وما لا يوصف بالوجود، فهو أبعد من الانتقال من العرض المتحقق له وصف الوجود.
ثم قد وافقونا النصارى على امتناع انتقال القائم بالنفس، وهو الذي سموه جوهراً، فإذا امتنع انتقال القائم بالنفس، فلأن يمتنع انتقال صفة نفسه أولى، فبطل مذهبهم كل وجه.