والذي يوضح ذلك أن العلم لو كان صفة للمعلوم به، لوجب أن يكون المعلم الحادث صفة للقديم، من حيث كان معلوماً به. ووجب أن يكون العلم الذي هو أقنوم الجوهر عندكم، أقنوماً لجملة الحوادث من حيث كانت الحوادث معلومة به. وهذا يناقض مذهبهم. فوضح بما قلناه بطلان ما عولوا عليه.
ثم نقول: لو استمر لكم ما قلتموه، لزمكم على طرده أن تجعلوا بقاء الجوهر أقنوما رابعاً، من حيث لزم الجوهر ولم يتعده.
فإن راموا في ذلك فصلا وقالوا: البقاء نفس الوجود، كان ما قالوه باطلا. إذ لو كان البقاء وجوداً، لكان كل موجود باقياً، حتى يكون الحادث في أول حال حدوثه باقياً، من حيث تحقق له الوجود. وهذا ما لا سبيل إليه. ثم كيف يقول ذلك من يجعل الوجود أقنوماً في حكم الصفة للجوهر! فإنه إن لم يبعد كون الوجود أقنوماً زائداً على ذات الجوهر، لم يبعد كون البقاء أقنوماً زائداً على الوجود. وكذلك يلزمهم أن يجعلوا كون الجوهر قائماً بنفسه، وكونه شيئاً قديماً أقانيم. فإن جميع ما ذكرناه لا يتعداه. ولا جواب لهم عن شيء من ذلك.
وإن ألزمناهم في تضاعيف الكلام كون الإرادة أقنوماً، وكون الكلام كذلك، فزعموا أن الإرادة والكلام حادثان، جررنا عليهم يدل على قدمهما. وأقرب الأمور أن نلزمهم حدث العلم، كما قالوا بحدث الإرادة. ولو راموا فصلا بينهما، لم يجدوه. والكلام في ذلك يطول تتبعه، وفيما ذكرناه غنية.
وقد أغفلنا في باب الجوهر كلاماً للنصارى ذكره القاضي، ولم نزدلفه إلا لظهوره، وذلك أنهم قالوا: وجدنا الموجود شاهداً ينقسم إلى: جوهر، وإلى ما ليس بجوهر. ثم ما ليس بجوهر صفة. فيجب أن يكون كل موجود صفة أو جوهراً. وربما قالوا معبرين عن هذا المعنى: كل موجود صفة أو موصوف