وأحاط علماً بها، توصل بها إلى أمثالها. ورأينا أن نضرب عن بسط القول في تأويل المناكير مثل ما يروى ((ضحك الجبار حتى بت نواجذه))، وهذا لا يكاد يصح. ومن وجد متسعاً في الكلام، لم يعجزه تأويله. فإن الضحك لا يتخصص بالتبسم والقهقهة؛ بل قد يطلق على غيره من المعاني. فيقال: ضحكت الرياض إذا تفتقت أنوارها، وبدت أزاهيرها. ومن رأى تباشير مجح في أمر، حسن منه أن يقال: بهج إلى النجاح، وضحك في وجهي. والنواجذ قد تطلق، والمراد بها غير الأسنان نكل ما ظهر وانكشف عن كنه ما يتوقع فيه، فقد يستعار فيه ظهور النواجذ. ومنه قول القائل:
قوم إذا السرور أبدى ناجدته لهم ... طاروا إليه زرافات وجدانا
فإن قال قائل: فما بال إطلاق الخلق إلى الإشارة نحو السماء بالدعوات؟ وربما عضدوا سؤالهم ذلك بالحديث المشهور في السوداء التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسمل، فقال: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها؛ بل قررها وتقريره صلى الله عليه وسلم نازل منزلة صريح لفظه.
الجواب عن ذلك أن نقول: أما إشارة الداعين في دعواهم، فلا مستروح فيه. فإنا لا نمنع أن يكون العرش وجهة قبلة للدعوات، وجهة مثبتة لها شرعاً، وهذا كما أن البين المحرم قبلة للطواف. ثم لم يدل استقبال جهة البيت في أصل العبارات بعد الإيمان على تثبيت المعبود بجهة استقبال المصلين، وكذلك السجود يتخصص بجهة مخصوصة مع الاتفاق على استحالة كون القديم مختصاً بجهة السجود، وإنما ذلك بجهة لأن الشرع ورد بتخصيص بعض العبادات ببعض الأماكن، كتخصيص الاعتكاف بالمساجد، وتخصيص المناسك في الحج والعمرة ببقاع