ومما يتقدر السؤال عنه ما روى في المعراج عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((وضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها في كبدي)) وهذا الحديث-إن صح-، فتأويله قريب. إذ الكف يطلق ويراد به الاحتواء على الشيء مُلكا ومِلكا. ومنه قول القائل: هوّن عليك، فإن الأمور بكف الإله مقاديرها، فليس بآتيك منهيها، ولا قاصر عنك مأمورها. وهذا شاهد على أن المراد بالكف الاحتواء على التقدير والتدبير، وبسط الرزق وقبضه، وهذا غير مستنكر.
فإن قيل: فما وجهه في الحديث الذي سئلتم عنه وما فائدة تخصيصه بوقت ومكان، والرب تعالى محتو على الخلائق مُلكا ومِلكا؟
قلنا: أراد صلى الله عليه وسلم بوضح الكف إحداق ألكاف الله به. وعليه يدل قوله: فوجدت بردها، أي روحها، أي روحها. والعرب تكني عن كل روح بالبرد، وتقول ابترد فلان إذا استراح. وسمى النوم برداً لما كان سكناً ورحاً. ويقال: يدقلان على فلان، أو كفه بين كتفيه. والمراد بذلك إشفاقه عليه ومحبته وتعطفه، وهو صفات الله رجمته ولطفه.
ومما يقع السؤال عنه ما يروى في بعض الأحاديث أن الجبار يضع قدمه في النار وتقول قط. وفي ذلك وجهان أشار إليهما الأستاذ أبو بكر: أحدهما: أن المراد بالجبار؛ المتجبر العاتي على الله، المتولي بركنه. فإذا استوفت النار الجبار، واشتملت على مستوجب العذاب، فتفعم عند ذلك وتقول قط، وهو المعنى بقوله تعالى ((يوم نقول لجهتم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد)). معناه: لم يبق فيّ مزيد ومتسع. وقد وصف الله تعالى مستوجب العذاب بالاستكبار والعتوّ والجبروت في آي من كتابه، فكل راع عات على الله، جبار. من قولهم: نخلة جبارة، إذا فاتت الأيدي. وناقة جبارة، إذا كانت شاطه، وكل مرتفع عن ربقة التكليف جبار. وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن أهل النار كل جظ جعظ. وفي بعض الروايا جَواظ جعظوي. والجواظ: الجموح المنوع. وقيل: هو القصير، البطين، المين. وقيل: هو المتكبر، المتسخط على الطعام.