أنه منقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم قطعاً. وإنما انكف أهل التعديل عن التعرض للحديث الذي نقلوه من حيث لم يظهر لهم ما يتضمن مطعناً وقدحا في النقلة. وهم مع ذلك يجوزون على رواة الخبر أن يزلّوا ويغطوا، ولا يوجبون لهم العصمة. وسبيلهم كسبيل العدول المرضيين، إذا شهدوا على حكومة في مفصل القضاء. ويشرع القاضي إلى إبرام القضية بشهادتهم. فلا يتضمن ذلك قطعاً تصديقهم، ولكنه حكم في ذلك بما تقضية بشهادتهم، فلا يتضمن ذلك قطعاً تصديقهم، ولكنه حكم في ذلك بما تفتضيه الظواهر، فكذلك سبيل الإخبار. وقد تقصينا القول في ذلك في الأصول، وأوضحنا أن الأمة لو اجتمعت على العمل بخبر من أخبار الآحاد، فإجماعهم على العمل به لا يوجب القطع بصحته. ثم لو تقبلنا والتزمنا التأويل، فمسلكه سهل المدرك، قريب المتناول في ذلك، لأن النزول ليس من ضرورة معناه ومقتضاه أن ينبئ عن التحول والانتقال، وشغل الجهات والزوال عن أمثالها، إذ قد يطلق النزول فيما يستحيل فيه الزوال والانتقال. فيقال: نزل بالناس نازلة. ولا يراد بذلك انتقال شيء إليهم من قطر إلى قطر. والآيات المشتملة على إنزال القرآن تجري هذا المجري، وليس المراد بإنزاله نقله نقله من موضع إلى موضع.
هذا ما صار إليه أهل التحصيل، ولا اكتراث بوقل الجهلة الحشوية في اعتقادهم أن الكلام ينتقل من جهة إلى جهة، فإن أهل التحصيل على مذهبين: فمنهم من حكم بقدم الكلام، وهم الذين صاروا إلى أنه صفة قديمة، قائمة بذات الرب، يستحيل عليها الزوال والانفصال. ومن حكم بحدث الكلام، منع انتقاله أيضاً من حيث كان عرضاً. فقد وضح أن النزول يطلق فيما يستحيل فيه الانتقال والزوال. وقد قامت الدلالة القاطعة على استحالة الانتقال على القديم. وأقرب الناس إلى التزام الكف الصراح من جوئ 1 ز على الرب الانتقال. فإن من أوضح دلالات حدث الجواهر، جواز انتقالها. فإذا حمل النزول فيما قامت الدلالة على استحالة انتقاله كالأعراض على غير انتقال، فيجب حمل النزول في الحديث على غير الانتقال. ثم السبيل فيه أن يقال: المعنى بالنزول ظهور أحكام الله تعالى في السماء الدنيا،