تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسلك بعض الأصحاب في قوله ((هل ينظرون)) مسلكا آخر. فقال: إنما قال الرب ذلك إنكاراً على المتوقعين لذلك، وإنما كان يستدل به أن لو كان لا يتخذ منه بسبل الإنكار وبطريق التوبيخ، والأصح عندنا الوجه الأول، فإن ظاهر الآية يدل على إنذارهم لمجيء العذاب. ورُبّ وجه في التأويل عند أهل الفصل هو الأصح مما استروح إليه الجهلة، ويحسبونه ظاهراً. والذي يحقق ذلك أن التخويف والإنذار إنما يقع بإظلال العذاب، وإلمامه بمستحقيه، وهذا واضح في مقصد الآية جدلا ومجارى التوسيعات في الجَزِل من الكلام أوسع في مجارى الحقائق. ومن أحاط بمذهب العرب، لم يستبعد من ذلك شيئاً.

وذكر بعض الأئمة في قوله تعالى ((وجاء ربك)) أنه فعل فعلا سمى به نفسه جائياً، كما سمى نفسه بالخلق والرزق خالقاً ورازقاً. وهذا، وإن كان يتجه، فالطريقة الأولى أقرب مذاهب التأويل. ومما يسأل عنه قوله تعالى مخبراً عن بعض عباده ((يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله)). ولا يتمسك بهذه الآية إلا متولج في غمرات الجهل، أو لا يخطر لذي تحصيل أن التفريط الذي أثبتت الآية، يقع في جارحة مقدرة، وقطر محدود، وهذا ما لا سبيل إلى توهمه، ولا ينبئ به الكلام عنه أصلا، إذ المعنى بالتفريط مخالفة أوامر الله، وموافقة زواجره، والانكفاف عن امتثال أو لا مره، ولا سبيل إلى توهم وقوع شيء من ذلك على قرب من المسافة. فإذا وضح سقوط الاستدلال، فقد تكلم أهل اللغة على الآية. فقال بعضهم: المراد يقوله ((في جنب الله)) أي في أمر الله، استشهد بقول كثيرّ:

ألا تتقين الله في جنب عاشق ... له كبد جرى عليك مقطع

معناه: في أمر عاشق. وذكر بعض الأئمة أن المعنى بالجنب: المخالفة، والجنب والمجانبة ينبئ عن البعد، وهو المعنى بقوله: والجار الجنب، أي البعيد سبباً ونسباً،

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٤٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٤٥٤