تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك يلزمهم أن يثبتوا أن الله تعالى كان عالما في أزله بوقوع وجود العالم وتحققه على ما لا سبيل إلى التزامه. فقد وضح بما قلناه انخرام مذهبهم، وانتقاض مقصدهم ومرامهم.

ثم نسائلهم عن الخالقية. فإن فسروها بالقدرة على الخلق، كان أمرهم أقرب. وإن فسروها بوجه آخر؛ لم يجدوا إلى الإيضاح سبيلا. ولا نراهم يفسرون الخالقية بصفة موجودة زائدة على الذات. إذ لو قالوا ذلك، لزمهم إثبات جمل من الصفات التي تصدر عن أجناس الأفعال حتى يكون رازقا بالرازقية، محسنا بالمحسنية، وهكذا القول في المحيي والمميت، والمعز والمذل. وليس من أصلهم إثبات الأحوال؛ فيجعلوا الخالقية حالا. فقد وضح تناقض قولهم. ولم يكترث أحد من أئمتنا بالكرامية، فلم نسلك طريق البسط في الكلام عليهم، مع أنا لم نغادر نكتة تصلح للاعتماد إلا أو مينا إليها.

فإن قال قائل: الموجود الذي يتأتى منه الشيء؛ قد يوصف به وإن لم يكن في حالة فعل، ولذلك يسمى القادر على الكتابة كاتبا، وإن لم يكن في حالة الكتابة، وكذلك القول في جملة المحترفين.

وهذا الذي ذكروه تسبب وتجوز وتوسع. وتسمية الناس العالم بالكتابة كتسميتهم المغمى عليه عالما إذا كان ممن يعلم في مستقر العادة عند انجلاء الغشية عنه، مع العلم بأن حالته تنافى العلم. وكذلك قد يسمى السيف الحديد، الغرار، المرهف، قاطعا، وليس المراد بذلك صدور القطع منه، ولكن من حيث كان آلة في القطع على مستقر العادة، فسمى قاطعا تجوزا، فلا معول على المتوسعات في بغية الحقائق.

ثم نقول لهم: هلا طردتم أصلكم، وقلتم الكاتب كاتب بالكاتبين؟ وكذلك القول في الحرف والمحترفين بها. وقد امتنعوا عن طرد ذلك فيما ذكرناه.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٤٤٣