ثم نجر عليهم فيما ذكروه من الإرادة والمشيئة قريباً مما قدمناه، فلا معنى للإعادة، وموضح استقصائه كتاب ((الإرادة)).
ومما نستدل به أن نقول: قد قلتم باستحالة عدم الأقوال القائمة بذات الرب وأحلتم خلو القديم عنها بعد قيامها به، وهذا تطرق إلى هدم أصول؛ منها: الحكم بجواز وجود الحادثات، وتخصيص وجوب الوجود للقديم. وهذا الذي ذكروه من استحالة عدم الحوادث؛ يجزم هذا الأصل.
ثم نقول: الأقوال عندكم أصوات وهي مختلفة، ومختلف الأصوات متضاد كمختلف الألوان، فإنا كما معلم استحالة قيام السواد والبياض بالمحل الواحد، فكذلك نعلم استحالة قيام صوت جهوري وصوت آخر خفيض بالحل الواحد. فلو قامت الأقوال-وهي أصوات متضادة-بذات القديم؛ للزم من ذلك أحد أمرين: إما تجويز اجتماع المتضادات، وإما المصير إلى انقسام القديم واختصاص كل جزء بقول. وهذا مما قدمنا إبطاله ردنا على المجسمة. ولو قالوا باكتفاء الأصوات السابقة عند معاقبة أضدادها لها، لكان ذلك تقضاً منهم لأصلهم.
ثم نقول: لو جاز الحكم بلزوم بقاء الحوادث القائمة بذات الرب تعالى، لوجب ذلك في الحوادث القائمة بالجواهر حتى بقال: إنها تبقي ما يقيت الجواهر. فإذا اضطررناهم-بما ذكرناه-إلى تجويز انتفاء الحوادث القائمة عندهم بذات القديم-تعالى عن قولهم-عند معارضة أضدادها، فنبني على ذلك ما قررناه في صدر الكتاب، رداً على المعتزلة، ونقول: إذا كان الحادث لا ينتفي إلا بضده، فيلزم من ذلك استحالة التعرّي عن الحواد بعد قيامها، فيجب طرد ذلك عموماً. وقد ذكرنا في ذلك طرقاً قاطعة عند ردنا على المعتزلة في قولهم: تتعري الجواهر عن الألوان ابتداء، مع منع التعري عنها بعد قيام الألوان بالجواهر.