إخواننا الكرام ... أصحاب النبي الكرام قالوا كلمة فتخلَّى الله عنهم ، قالوا : لن نغلب من قلة ، نحن الآن كثيرون ، هذا شرك ، اعتمدوا على كثرتهم لا على الله ، قال تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)
[سورة التوبة]
إذًا أنت أيها المؤمن بين حالين ؛ بين أن تقول : أنا ؛ أنا بتحصيل العلم ، أنا بذكائي الفطري ، أنا ابن فلان ، أنا أحمل شهادة نادرة جدا ، أنا عملت عملا عظيما جبَّارا ، إذا قلت : أنا ، تخلى الله عنك ، أوكلك إلى نفسك ، و إذا قلت : الله ، تولاَّك ، فأنت بين التولّي و التخلّي ، بين أن تنسب ما أنت فيه من الخير إلى ذاتك فهذا شرك خفي ، يتخلى الله عنك ، أي لو أن إنسانا مدحك ، لماذا مدحك ؟ قال بعض العلماء ( ولعله صاحب الحكم العطائية ) ابن عطاء الله السكندري : ما مدَحَك من مدحك و إنما مدح من مَنَحك " .
إذا أعطاك الله فهما دقيقا ، أو لسانا طليقا ، أو حكمة ، أو أعطاك قدرة على كسب المال ، أو أعطاك قدرة على الفهم ، فإذا مدحك إنسان و كنت أنت موحِّدا ، يجب أن تذوب خجلا من الله عزوجل ، لأن هذا الذي مدحك لولا أن الله منحك لما مدحك ، فهو في الحقيقة يمدح من منحك ، لا يمدحك أنت ، " ما مدحك من مدحك و إنما مدح من منحك " فالمؤمن كلما سمع ثناء الناس عليه ذاب تواضعا لله عز وجل ، ذاب شكرا له .
أنا لا أنسى أخًا كريما تبرَّع ببيت غالٍ جدا ، تبرَّع به لعمل طيِّب ، أُقيم له حفل تكريم ، وكل من ألقى كلمات أشادوا بإحسانه وفضله ، إلا أحد إخوتنا الكرام ، لفت نظره فقال له : أيها المحسن الكريم كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا ، ولكن الله كرَّمك فجعلك معطياً لا آخذاً تأخذ .