مرة كنت في أمريكا ، وسمعت خطبةٍ لإنسانٍ باكستاني ، قال في هذه الخطبة شيئاً لطيفاً، وهو يخاطب المصلين وأكثرهم من الأمة العربية ـ توجد جالية عربية كبيرة جداً في مدينة هناك ـ قال : أنتم سادتنا نحن بكم هدانا الله عز وجل ، لولاكم لكنا عباداً للأصنام ، عُباداً للنيران ـ ذكر من فضل هذه الأمة على بقية الشعوب ما يشعر الإنسان بأن هذه الأمة أعلى الأمم ـ قال : ما لكم نسيتم هذه المُهمة ، ما لكم نسيتم هذا الشرف العظيم الذي منحكم الله إياه، أنت في بلاد تبيعون الخمر ، أهكذا كان آباءكم وأجدادكم ؟!
بعد أن أثنى على هذه الأمة الثناء العاطر ، ذكر مثالبهم في بلاد الغرب ، فأنت يجب أن تفتخر أنك تنتمي إلى أعظم أمة ، إلى أمةٍ أنزل الله القرآن الكريم بلسانها ..
إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3)
( سورة الزخرف )
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)
( سورة الشعراء )
تنتمي إلى أمةٍ هي الوسيطة بين الله وبين خلقه ، وسيطة ، ومتوسطة ، ومعتدلة ، وقوية، ونيِّرة ، وعادلة ، هذه معاني الوسطية كلَّها.
إنك حين ترى واقع الأمة المؤلم ، لماذا تتألم ؟ أين كنا وأين أصبحنا ؟ فبعض المسلمين أو أكثرهم فتنوا بالغرب ، فعاشوا حياة الغرب، ونسوا دينهم ، والأمانة التي حملهم الله إيَّاها ، وعاشوا في انفصامٍ في شخصيتهم ، يعتزون بدينهم وبماضيهم ، ويضربون في هذه الحضارة المتوهِّجة التي نسوا فيها أوامر ربهم ، هذه حالة صراع ، وحالة انفصام شخصية ، تصيب كل إنسان لم يقو إيمانه بحيث يتجاوز كل هذه العقبات والصوارف ، بل جعله إيماناً وسطاً ، إيماناً ضعيفاً جذبته هذه القوى من يمينٍ أو من شمال .