لولا أن الله شاء الله لكم أن تكونوا أصحاب مشيئةً حرة لما شئتم، إذاً لأن الإنسان حمل الأمانة ، وكلف طاعة الله عز وجل ، كان مخيراً من أجل أن يثمن عمله ، ولكن الله طليق الإرادة ، أي شيءٍ يعطيك إيَّاه يأخذه منك في أية لحظةٍ ، فالإنسان في الأساس مسير حينما يولد ، مسير في أمه وأبيه ، وعصره وزمانه ، ومكانه وقدراته ، وما إلى ذلك مما ليس له اختيارٌ فيه ، وهذه الأشياء التي سُيِّرت فيها ، هي أكمل شيءٍ إليك ، ليس في إمكانك أبدعُ مما أعطاك ، ثم أنت مخيَّر في حدود ما كُلِّفت .
أنت مخير في دائرة التكليف افعل ولا تفعل ، أمرك أن تصلي ، بإمكانك أن تصلي وأن لا تصلي ، أمرك أن تكون صادقاً ، بإمكانك أن تصدق أو أن تكذب ، أمرك أن تغض البصر، بإمكانك أن تغض وأن تطلق ، أنت مخير في حدود ما كلفت ، ولكن ولأن الله رب العالمين ، من أجل أن يربيك تربيةً تقيك دخول النار ، لو أنك اخترت اختياراً غير صحيح ، لأدبك الله عز وجل .
كيف يؤدبك ، يأخذ من كل ذي لبٍ لبَّه ، ثم يسوقه إلى مصيبة ، أنت الآن مسيرٌ ، مسيرٌ بدفع ثمن اختيارك ، فكنت مسيراً حينما ولدت ، من قبل أمك وأبيك ، فكونك ابن فلانة وابن فلان ، أنت فيهما مسيراً ، وولدت في دمشق مثلاً ، وفي عام كذا ، أنت فيه مسير ، وقدراتك كذا وكذا أنت فيه مسير ، ثم حُمِّلْتَ الأمانة ، وحملت أن تكون مخيراً فيما كلفت ، حينما تستخدم هذا الاختيار بشكلٍ غير صحيح يأتي التأديب رحمةً بك ، مع التأديب يُسْلَب الإنسان اختياره ليؤدَّب أو ليكافأ ، وهذا هو معنى قول النبي الكريم :" إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه " .
( من الجامع الصغير : عن " ابن عباس " )