هذا النسخ لعلَّةٍ إيمانيَّةٍ محضة ، ليس هناك مكان مقدَّس ولكن هناك أمرٌ إلهيٌ مقدَّس ، القدسيَّة لا في المكان ولكن في الأمر الإلهي ، وأراد الله أن يمتحن المؤمنين ، هناك من يتعلَّق بالمكان وهناك من يتعلَّق بخالق المكان ، فهذا امتحان ، أنت مع المكان أم مع خالق الأكوان ؟ فالمؤمنون الصادقون أُمروا بالتوجُّه إلى بيت المقدس فتوجَّهوا له ، ثم أُمروا أن يعودوا إلى الكعبة المشرَّفة فعادوا إليها ، انتهى الأمر ، أنا مع خالق الأكوان ولست مع المكان .
لعلَّةٍ إيمانية ولحقيقة قرآنية وهي أن القدسية في الأمر وليست في المكان ، وهم لم يتكلَّفوا شيئاً إضافياً ، ولا وضع عنهم تكليفٌ معيَّن .
نغفل نسخها ..
كيف تكون خيراً منها ؟ فالصحابة في أول إقبالهم على هذا الدين الجديد ..
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
( سورة الأنفال : من آية " 65 " )
أي واحد لعشرة ، إذا كان الصحابي تولَّى من ساحة المعركة والعدد كان تسعة يحاسب بأكبر معصية وهي التولي في الزحف . ثم قال الله عزَّ وجل :
الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
( سورة الأنفال : من آية " 66 " )
كان الواحد لعشرة صار واحد لاثنين ، فعندما دخل الناس في دين الله أفواجاً ، هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام ليسوا في مستوى الصحابة الأوَل ، فالصحابة الأوَل كان مقياسهم واحد لعشرة ، أما الداخلين في الدين بعد حين واحد لاثنين ، فالخير المُطلق للصحابة واحد لعشرة ، والخير المطلق لمن جاء بعدهم واحد لاثنين ، صار هناك نسخ ، الأول خير والثاني خير ، الأول خير لهؤلاء النخبة المتفوِّقين السابقين ، والحكم الثاني خير للاحقين .
وهناك معنى ثانٍ : قال الله عزَّ وجل :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
( سورة آل عمران : من آية " 102 " )