خلقك ليرحمك ، خلقك ليُسْعدك ، ولكن هذه السعادة الأبدية المتنامية لا بدَّ لها من ثمن ، والدليل : اجلس مع إنسان حَصَّل على دكتوراه فَخْرِية ، زار بلداً وأقيم له احتفال ومنح هذه الدكتوراه الفخرية ، بالمقابل اجلس مع إنسان حصل دكتوراه حقيقية درس ثلاثاً وثلاثين سنة ، وألَّف أطروحة ، ونجح نجاحاً باهراً ، تجد فرقاً كبيراً بين من بذل هذا الجهد ونال هذه المرتبة ، وبين من أخذها بلا سبب ، وبلا جُهد . فمن أجل أن تسعد في الآخرة سعادةً متنامية إلى أبد الآبدين ، من أجل أن تحتل أعلى مرتبةٍ نالها مخلوق ، من أجل أن تصل إلى أعلى مرتبة ، لأن :
( سورة الأحزاب (
لمَّا حملها الإنسان سُخِّرَت له الأكوان ، مُنح عقلاً هو أعظم آلةٍ في الكون ، مُنٍحَ فطرةً سليمة تدلُّه على خطئه ، منح كوناً مسخَّراً له تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم ، مُنح شهوةً تحرِّكه إلى الله عزَّ وجل يرقى بها مرَّتين ، يرقى بها صابراً ويرقى بها شاكراً ، منح حرية اختيار ليُثَمَّنَ عملُه، ليأتي ربه طائعاً لا مُكْرهاً ، الإنسان مُخَيَّر فيه شهوات هي سلمٌ يرقى به، فيه عقل أداة معرفة الله وهو القوة الإدراكية الأولى .
أطلعني أخٌ على جهاز حاسوب بحجم الكف ، بإمكانه أن يُرسل أي رسالة عَبْرَ الفاكس ، وأن يتصل بالإنترنت ، وفيه كل البرامج الضخمة ، بهذا الحجم ، ماذا فعل هذا العقل البشري ؟ وصل إلى القمر ، وإلى المريخ، وإلى المشتري ، غاص إلى أعماق البحار ، نقل الصورة ملونةً عَبْرَ القارَّات الخمس ، أنجز إنجازاً مُذهلاً ، لو بذل الإنسان من هذا الجهد واحداً بالمليون لوصل إلى الله فسعد بقربه ، حقق العقل البشري الآن إنجازات ضخمة لكِنَّه مع الأسف الشديد لم يُستخدم لما خُلِقَ له ، استُخدم للدنيا فأنتج الأعاجيب ، ولو أنه استُخدم للآخرة لكان سبب سعادة الأمم والشعوب .