تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماله وفير ، مكانته عَلِيَّة ولكن ليس له مستقبل ، كل ما عنده من مال، كل ما عنده من وجاهة ، كل ما عنده من مكانة ، كل ما عنده من أساليب يستمتع بها بمباهج الحياة الدنيا منوطةٌ بقطرِ شريانه التاجي ، منوطةٌ بسيولة دمه ، منوطةٌ بنمو خلاياه فإذا اضطرب نمو خلاياه فقد كل شيء ، وإذا ضاق شريانه التاجي فقد كل شيء ، وإذا تَجَمَّد دمه في مكانٍ ما فقد كل شيء .

يسعى ويعمل ويسهر ويُسافر ويؤسس ولا ينام الليل ويخاصم من أجل الدنيا فقط ، من أجل المال ، من أجل المكانة ، فإذا أضاءت ما حوله، أي بدأ يقطف ثمار عمله فاجأه الموت في أحرج الأوقات ، بل في أوج تألُّقه ، في أوج استمتاعه بالدنيا ، فاجأه الموت بعد أن انتهى من إنشاء العمارة ، بعد أن انتهى من تحصيل هذه الشهادة ، بعد أيامٍ من زواجه ، بعد سنواتٍ من تألُّقِه ، وهناك آلاف الأمثلة ، سعى إنسان في بناء بيتٍ سنواتٍ طويلة فلما انتهى البيت فاجأه الموت بعد أيام .

حدثني أخٌ كريم حدَّثني عن إنسان اشترى بيتاً في مكان جميل واعتنى بكسوته عناية تفوق حد الخيال ، وجاء بأمتعته ليستقر بهذا البيت ، وجاء بالوجبة الثانية وبالوجبة الثالثة وبقي جهازٌ ينبغي أن يركب في بيته، رُكِّب الجهاز ولما حان موعده في المجيء النهائي والاستقرار في هذا البيت ، وافته المنيَّة في اليوم نفسه الذي أزمع فيه أن يسكن هذا البيت .

هذا كلام عام ، يسعى الإنسان إلى الدنيا بكل جهده ، بكل وقته ، بكل ماله ، بكل تعبه ، بكل كده ، بكل عرقه ، فإذا امتلك منها شيئاً أضاءت ما حوله ، أي صارت له مكانة ، له دخل ثابت ، يسكن بيتاً مريحاً ، له مركبة مريحة ، أمره نافذ ، اتصالاته جيِّدة ، معارفُهُ كُثُر ، أتباعه كثيرون ، يأتيه ملك الموت وهو في هذه اللحظة من النشوة ليأخذ منه كل شيء في ثانيةٍ واحدة . المنافق إنسان بلا هدف أُخروي وإنسان بلا مستقبل ، وأوضح مثل هذا المثل .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٧٠