أنت مَن تعبد في الأصل ؟ تعبد جهةً موجودة ، فالله موجود ، وتعبد جهةً تسمعك إذا دعوت ، وتراك إذا تحرَّكت ، وتعلم ما في سرك ، فالإله يسمع ، ويعلم ، ويرى ، سميعٌ بصيرٌ عليم ، وأنت مَنْ تدعو ؟ تدعو مَن هو موجود ، وتدعو مَن يسمعك إذا تكلَّمت ، ومَن يراك إذا تحرَّكت ، ومَن يعلم ما أسررت إذا لم تتكلم ، فمَنْ تدعو ؟ تدعو مَن هو قديرٌ على كل شيء ، قادرٌ على أن يلبِّي حاجتك مهما عَظُمَت ، واللهُ كذلك ، فمَنْ تدعو ؟ تدعو مَن يحبك ، فأنت في الدنيا لا تسأل إلا جهةً موجودةً تسمعك ، وقادرةٌ على أن تلبيك ، وتحب أن تلبيك ، فإذا قلت :
أي لا معبود بحقٍ إلا الله ، لا ينبغي لك أن تعبد إلا الله ، ولا يستحق العبادة إلا الله ، والله أهلٌ أن تعبده لأنه حيٌ باقٍ على الدوام ، فلو عبدت إنساناً يموت لضاعت كل آمالك ، وضاع كل عملك ..
اجعل لربك كل عزِّك يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميتُ
* * *
مَن يجب عليك أن تعبد ؟ أن تعبد الحيّ الباقي على الدوام ، الذي هو مطلعٌ عليك ، وعليمٌ بأحوالك ، ومقدرٌ لتضحياتك ، ومَن هو قادرٌ على تلبية حاجاتك ، ورحيمٌ بك ؛ وأنت في بطن أمك ، وأنت في القبر ، فهذا الذي يجب أن تعبده .
وبالمناسبة (أَلِهَ) تحيَّر مِن شدة الوجد ، أي إنك تعبد إلهاً لو عرفته على حقيقته لذابت نفسك شوقاً إليه ، ولتحيَّرت لجماله ، وتحيرت لِكماله ، ولِقدرته ، وعطائه ، خلَقَك ليُسعِدك .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)
( سورة الصف )