تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكرت مرةً مثلاً وسأُعيده لأنه مناسبٌ لهذا المعنى ، مثل افتراضي ؛ إنسان فقير جداً يعمل عَتَّالاً على دابة ، فلما ماتت هذه الدابة فَقَدَ دخله كلياً ؛ دفنها وأقام عليها بناءً وقبةً خضراء وأعطاها اسماً من اختراعه ، وزعم أن هناك ولياً مدفوناً في هذا المكان ، وجاءه الناس زُرافاتٍ ووحدانا يتبركون بهذا الولي ويعطونه العطايا الكثيرة ، هذا الإنسان انتفع بهذه الكذبة ، وهذا الدجل انتفاعاً لم يكن يخطر له على بال ؛ هل في الأرض قوةٌ يمكن أن تُقنعه أن المدفون هنا دابة ؟ لا .. قناعته أشد من قناعة الذي يناقشه ، لكنه ليس من صالحه إطلاقاً أن يعترف أن المدفون في هذا المكان دابة ، هو يقاتل من أجل دَجَلِه ، يقاتل من أجل فكرته، يقاتل من أجل كذبه ، يقاتل من أجل الخُرافة التي نشرها بين الناس ، هو يدافع عن مصلحته ، يدافع عن دخلِه ، يدافع عن مكانته، يدافع عن مكاسبه ، فهذا الذي يتَّخذ الكفر وسيلةً للدنيا ، هذا الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية ودخلاً كبيراً وهيمنةً على الناس عظيمة ، هذا سواءٌ عليه ءأنذرته أم لم تنذره لا يؤمن ؛ هو بعيدٌ جداً عن موضوع الفكر وعن موضوع العقيدة وعن موضوع المبادئ وعن موضوع الأهداف ، أنت في واد وهو في واد ؛ المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره . ليس الذين كفروا هم الذين شوِّهَت لهم المعلومات فكفروا فلما صُحِحَت آمنوا .. لا .. ليسوا هؤلاء ، وليسوا هم الذين غابت عنهم الحقائق فلما حصَّلوها آمنوا ، ليسوا هؤلاء ، إن الذين كفروا هم الذين انتفعوا بكفرهم ، والذين وصلوا إلى الدنيا بكفرهم ، والذين أطاعهم الناس لكفرهم.

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١١٧