كنت أقول : إن أعداء المسلمين يتعاونون وبينهم خمسةٌ بالمئة من القواسم المشتركة ، والمسلمون ـ وللأسف الشديد ـ يتقاتلون وبينهم خمسة وتسعين بالمئة من القواسم المشتركة .
فالإنسان أُمر أن يصلي باتجاه المشرق ، ثم أُمِرَ أن يصلي باتجاه المغرب ، ما الذي حصل ؟ العبرة أن تكون مع الله ، العبرة أن تتصل بالله، العبرة أن تكون سعيداً بقربك من الله، الجهات لا قيمة لها ..
من بلاغة القرآن الكريم أن البر وهو شيء معنوي ، صار مجسَّداً في هذه الآية ، له كيان ، البر الذي تبحثون عنه ، البر الذي يسعدكم ، البر الذي يرفع من شأنكم ، ليس أن تختلفوا في جهة القبلة .
فقد يأتي أُناس ويقولون : هذا المسجد ، أو أي مسجد آخر لا تصح الصلاة فيه لأنه ينحرف عن القبلة ثلاث درجات ، المذاهب الفقهيَّة واسعة جداً ، ومن أوجه المذاهب الفقهية في هذا الموضوع أن القبلة جهةٌ ، وليست نقطةٌ ، فما دامت جهة فإن كل المساجد المتجهة نحو الجنوب تصحُّ الصلاة فيها ، أما إذا كانت نقطة فنحتاج إلى علماء رياضيات لقياس الزوايا ، وندخل في متاهاتٍ لا تنتهي ، فكأن الله عزَّ وجل لا يريدنا أن ندخل في التفاصيل المُملة ، والتفاصيل المُخلَّة ، والتفاصيل التي تبعدنا عن بعضنا ، يريد الله عزَّ وجل منا جوهر الدين ، أصوله ، يريد دعائمه وأركانه ، وإذا اتبعنا هذه الدعائم والأركان بالتفاصيل الدقيقة المتفق عليها فهذا أمر جيد جداً .
فالله عزَّ وجل يرد على هؤلاء الذين أحدثوا بلبلةً واضطراباً في شأن تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة فيقول :
ودائماً هناك أُناس يتمسَّكون بالتفاصيل ، والقشور ، وتفاصيل التفاصيل ، وينسون الأصل، فربما أقاموا النكير لعدد درجات المنبر ، أربع درجات لا يجوز ، السنة ثلاثة ، ندخل بمتاهات لا تنتهي .