تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحيح لكانت وجيهة سديدة ولكن لا بد أن نجيب هؤلاء المعارضين بأنه لم يفكر أحد

مطلقا في جمع هذين الصنفين في قاعات النوم العامة، ولا شك أن تقسيم محال

المدرسة وأفنيتها والرياضيات المدرسية بالحكمة والتدبير يجنب كثيرا من المضار

التي يخشى منها على الآداب والأخلاق.

على أن العمل العقلي إنما جعل لتذليل الغرائز والشهوات الخبيثة وقمعها لا

تنبيهها وتقويتها وإني خلافا لأولئك المعارضين أرى أن في التفريق الكلي بين

الصنفين خطرا على الفضيلة فإن فرط الاحتراس والاحتياط الصادر عن الرياء

والنفاق لا يكون منه إلا دعوة الفساد إلى الاحتيال للتطرق إلى الأخلاق من سبيل

الشر فلا يلبث أن يظهر فيها، وإن كثرة بث روح الحذر في أطهر المعاملات

وأعفها توقظ في اليافعين ما هو نائم من شهواتهم، وتظهر ما يكون كامنا من

أشواقهم؛ فينبغي أن تزال هذه الحدود المادية ويعتاض منها بحدود الله التي فطرهم

عليها وجعلها في نفوسهم سياجا لما فرضه عليهم.

لا أريد مما تقدم أن الذكر والأنثى في التربية سيان يصلح لأحدهما كل ما

يصلح للآخر، كلا بل إن كلا منهما يقتضي تربية خاصة لاختلافها في المواهب

والفروض والغرض المخلوقين من أجله، على أننا نرى النابغين والنابغات من

الصنفين يتكافئون ويتناسبون في بعض ذرى العلوم والفنون الجميلة والشعر،

فالأجدر بنا أن نفكر بإعداد الازدواج بين ما أوتيته الأنثى من رقة الوجدان وما

أوتيه الذكر من حصافة الجنان، فإن في ذلك لذة حياة الصنفين. وإن تربية شطري

النوع الإنساني منعزلين كأنهما لا يشتركان في شيء مما خلقا لأجله تعجيلا بقطع

الصلة الاجتماعية، وأما تقديم الصبية إلى الصبي وتفهيمه أنها ستكون له في

المستقبل رفيقة في العمل والكدح في سبيل الخير والعدل والحق فهو أكثر انطباقا

على مقتضى الفطرة وعلم الأخلاق.

وعلى كل حال ستتعلم (لولا) و (أميل) معا إلى أن يقضي الحال التفريق.

إني لأرجو لكل منهما خيرا كثيرا من وراء هذا الاقتران العقلي.اه

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) معرب من باب تربية اليافع من كتاب أميل القرن التاسع عشر.

(1) يلمح المؤلف بقوله: (هذه الحسناء ناعسة الغابة) إلى أسطورة من أساطير الكاتب الفرنساوي شارل بيرولت المسماة حكايات الجن، ملخصها أن أحد الملوك وزوجته ابتليا بالعقم مدة طويلة ثم رزقا فتاة حسناء، فجعلاها في كفالة سبع جنيات، وأولما لهن وليمة أعدا فيها لكل واحدة منهن صحفة فاخرة لها كيس من الذهب الخالص فيه ملعقة وشوكة وسكين من الذهب أيضا، وفي أثناء جلوسهن على المائدة جاءت جنية عجوز ثامنة لم يكن حضورها في الحساب، فقدمت لها صحفة بلا كيس فظنت ذلك احتقارا لها، فخافت إحدى الجنيات أن تسيء هذه العجوز إلى المولودة، فخرجت، ثم إن كلا من الأخريات منح المولودة صفة جميلة ما عدا العجوز فإنها قالت: إن الفتاة ستخرق يدها بمغزل وتموت، فجاءت الجنية التي خرجت وقالت: إنها لن تموت، ولكن يغشاها النعاس مائة سنة ولا يوقظها إلا ابن ملك من الملوك، ثم اتفق أن الفتاة رأت مغزلا في يد عجوز فتناولته فخرق يدها فسقطت نائمة، ثم نقلت إلى قصر لوالدها في غابة، وبعد مائة سنة أيقظها ابن ملك وتزوجها.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

قوانين التعليم الرسمي

النبذة الثالثة في تعليم البنات

إن المغامز العشرة التي ذكرناها في النبذة الثانية من انتقاد قوانين التعليم

الرسمي كانت في موضوع تعليم الدين، وقد فاتنا التنبيه على مغمز آخر عظيم وهو:

(11) لم يرد في قانون التعليم ما يدل على أن البنات يعلمن ما يختص

بالنساء من الأحكام والآداب الدينية، ورجعنا إلى كتب التعليم فلم نجد فيها شيئا من

ذلك. ونحن نعلم كما تعلم نظارة المعارف أن النساء ليس لهن مورد من موارد العلم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٩٤