على ذلك الإمام الديني الجليل، ومن لاحظ أن التلامذة لا يجتهدون إلا لأجل السبق
في الامتحان وعلم أن الدين لا مجال فيه للسبق؛ لأنه لا درجة له علم أن النظارة
متعمدة إهمال الدين أو جاهلة منزلته ومكانته، وهذا نقص فاحش في قانون التعليم ولم
تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا.
(5) كون المسائل التي يبتدأ بها في تعليم الدين تعلو على عقول المبتدئين
وهي كما في الصفحة 12 من قانون (احتياج الإنسان إلى الدين - بيان الفوائد
المترتبة على التمسك به - بيان أنه ليس قاصرا على أنواع العبادات بل هو مشتمل
على ما يلزم للإنسان من المعاملات وغيرها ويرشده إلى طريق المجد والشرف في
الدنيا والآخرة - أول ما أوجبه الدين - ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل وما يجوز - الحكمة في إرسال الرسل - ما يجب في حقهم عليهم الصلاة والسلام وما يستحيل وما يجوز - نسبه صلى الله وعليه وسلم من جهة أبيه وأمه) .
ولا شك أن هذه المسائل يتوقف فهمها على معرفة الأحكام العقلية والإلمام بعلم
الاجتماع فابتداء التعليم بها نقص. وإذا فرضنا أن تلاميذ السنة الثالثة الذين لم
يكونوا تعلموا من الدين شيئا مستعدون لفهم مقدمات هذه المسائل ثم لفهمها، ثم
فرضنا أنهم يعلمون المقدمات فعلا، فهل يقدر المعلمون على تعليم ذلك كله مع علم
التهذيب في ست وثلاثين ساعة وهو الوقت المعين لدرس هذه الأشياء كما تقدم؟
اللهم إن هذا ما لا يستطيع أن يتصوره عاقل وإنه لنقص فاحش وخلل فاضح في
قانون تعليم المعارف، ولم تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا.
(6) كون هذه المسائل غير محيطة بالعقائد الدينية فهناك مسائل أخرى
تجب معرفتها وليس بعد هذه السنة تعليم للعقائد وهذا نقص ضار منتقد، ولم تغن
(الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا آخر.
(7) كون الكتاب الذي تعلم به هذه العقائد وما معها ليس مؤلفا على الوجه
الذي يؤدي إلى الغاية المذكورة في قانون التعليم قبل تلك المسائل التي ذكرناها، ثم
إن أثر تلك الغاية لم يظهر في تلامذة مدرسة من المدارس كلهم أو جلهم فنقول:
إن المدار على المعلمين في الوصول إليها وهذا إهمال عظيم ونقص محسوس ولم
تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا.
(8) كون قسم الأخلاق الدينية لا وجود له في تعليم مدارس الحكومة وهذا
نقص عظيم، ولم تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا.
(9) كون علم الحلال والحرام مهملا لا وجود له في التعليم الديني وهذا
النقص قبيح، والغاية من تعليم الدين لا تتم إلا به، ولم تغن (الضمانات الخمس)
عن هذا النقص شيئا.
(10) كون مسائل العبادات التي تدرس في السنة الرابعة غير كافية وغير
مؤدية إلى الغاية المطلوبة، وكون الوقت المخصص لتعليم العبادة غير كاف، وهذه
أنواع من النقص والخلل جعلناها واحدة؛ لأنه تقدم في قسم العقائد نظيرها. ولم
تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا. وقد طال الكلام في انتقاد تعليم
القسم الديني ومن بين لنا خطأ في شيء منه فإننا نرجع عنه؛ لأن قصدنا الإصلاح
لا إظهار العيوب. وسنتكلم عن النقص في سائر الأقسام فيما يأتي إن شاء الله
تعالى.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) رأى القراء في النبذة الأولى أننا كنا نضع كلمة (الضمانة) و (الضمانات) بين علامات مميزة كما هنا إشارة إلى معناها الذي يخالف ما استعملت فيه وهو المرض فكان ناظر المعارف يقول: إن لقوانين التعليم في نظارته خمسة أمراض ونحن نقول: إنها أكثر.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">