تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومفتشوها - إن كان قانون التعليم برأيهم - إلى ما لم يصل إليه فلاسفة أوربا

وأساتذتها في علم التربية والتعليم؟ ؟

فإن قال الناظر: إذا ثبت أن تعلم الطبيعيات مثلا أسهل باللغة الإنكليزية منه

باللغة العربية فكيف نتنكب الطريق السهل ونسير في الحزون الوعرة؟ نقول له

بعد التسليم: وهل تعدل عن الإنكليزية إلى التركية أو اليابانية إذا ثبت عندك أن

التعليم بها أسهل والتحصيل أقرب؟ وإنما قلنا: أسهل وأقرب ولم نقل: (أنفع) كما

قال الناظر لأن الأنفعية لا شبهة عليها إذا فسرت بالسهولة وقرب التحصيل؛ إذ لا

يمكن أن يقول عاقل: إنني أسعى بمحو لغة أمتي واستبدال لغة أخرى بها لمنفعة من

المنافع، وأي نفع في الدنيا يوازي ضرر إهمال الأمة التي هي من أقوى مقوماتها أو

هي أقواها في نظر الأكثرين.

وأما الجواب الثاني من أجوبة الناظر فأمثل ناقض له ما فعلته الجمعية من

ترك المناقشة بالمكابرة والإصرار على أن الضمان على التعليم لا يكون للأمة إلا

بعرض قوانينه على مجلس الشورى والجزم بطلب ذلك من الحكومة، وماذا عسى

أن يقال لمن يقول: إن التعليم الابتدائي بلغة الأمة يكون ناقصا وجميع الأمم الحية

عليه كأن الكمال لم يوجد إلا في معارف مصر التي لا أثر لمعارفها يذكر بالنسبة

إلى سائر الأمم. وماذا عسى أن يقال لمن يدعي أن انتشار الكتب العلمية في الأمة

لا تأثير له في منفعة البيوت وترقي أفرادها؟ أليس تحدث التلامذة في بيوتهم

ومذاكراتهم في المسائل العلمية بلغتهم مما يجعل الاصطلاحات العلمية مألوفة في

البيوت لكثرة طروقها للسامع؟ أليس الآباء والأمهات الذين تلقوا شيئا من مبادئ العلوم

وقضت عليهم شئون المعيشة بعدم إتمام تعليمهم ينتفعون بالكتب المؤلفة إذا كانت

بلغتهم؟ بلى وإننا نعود إلى الكلام في قانون التعليم فنقول: إن في هذا القانون

(البروجرام) عيوبا وتقصيرا نسرد ما يظهر لنا منها باختصار على ترتيب القانون

وهو:

(1) كون القرآن لا يدرس في السنتين الأولى والثانية وكون الذي يقرأ منه

جزأين فقط. والأمة ترغب في إقراء أولادها القرآن كله لما في قراءته من تقويم

اللسان وتعويده على الفصاحة في النطق والاستعانة على الكتابة والخطابة، ولكونه

أصل الدين والوسيلة العظمى لكمال من يفهمه. ولم تغن (الضمانات الخمس) عن

هذا النقص شيئا.

(2) كون تعليم الدين والتهذيب في أثناء سنتين فقط مع أنه يجب أن يكون

ذلك موزعا على جميع السنين؛ لأن الدين والتهذيب هما المقصود والأهم من التعليم

ومن لم يتمكن منهما يكون خاسرا في حياته وإن تعلم جميع الفنون الأخرى. ولم

تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا.

(3) كون الوقت المخصص لتعليم الدين والتهذيب معا ساعة واحدة في

الأسبوع مع أن اللغة الأجنبية التي تعلم من السنة الأولى الابتدائية إلى آخر يوم من

أيام التعليم العالي لها سبع ساعات في الأسبوع من السنتين الأوليين. فالساعات

المقررة في القانون لتعليم علوم الدين وعلم التهذيب 36 ساعة في السنة و 72

ساعة في مدة الدراسة كلها، وتغتال منها أيام الأعياد والمواسم ما تغتال. فالمدة نحو

ثلاثة أيام وهي لا تكفي لتعليم الأكل. فهل تكفي ببركة (الضمانات الخمس) لمعرفة

الله وما أوجبه على عباده من أصول الإيمان وتثقيف الأخلاق وكيفية العبادات مع

التهذيب المدني الدنيوي الذي نوه به ذلك القانون. هذا أكبر عيب ونقص في نظام

المعارف ولم تغن (الضمانات الخمس) عن هذا النقص شيئا.

(4) كون علم الدين لا شأن له في درجات ترقي التلامذة في الامتحان

المعبر عنها بالنمرة، فلو فرضنا أن تلميذا بلغ في فهم الدين ومعرفة أحكامه مبلغ

الأئمة وكان مساويا لآخر في سائر العلوم فإن هذه المعرفة لا ترفعه عنه درجة واحدة

فإن زاد ذلك الآخر درجة واحدة في الخط الإفرنجي مثلا فإنه يرتفع بذلك ويتقدم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٧٥