تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لتظهر مغالطته بأتم إيضاح، وهي من وجهين:

أحدهما قوله: إن التلميذ يبتدئ في السنة الثانية بتعلم اللغة الأجنبية؛ أي:

العلوم فلا يتعلم بها شيئا من العلوم والصواب أنه يبتدئ بتعلمها في السنة الأولى كما

ترى في الصفحة 10 من قانون التعليم الابتدائي الصادر بإمضاء الناظر نفسه في

جمادى الثاني سنة 1319 أي قبل هذه المناقشة بنحو نصف سنة، وكون التلميذ يتعلم

في السنة الأولى وكذا الثانية لغة أجنبية خطأ ظاهر، وإننا لنعرف كثيرين من المعلمين

ونظار المدارس يتبرمون منه ولكنهم يعتقدون أنه أمر مبرم هبط من سماء القوة على

أرض الضعف والاستكانة، ولو علموا أن إبداء رأيهم يصل مجلس الشورى فيطالب

به باسم الأمة لأبدوه آمنين من مغبته؛ لأن كل ما يتوقعونه حينئذ من المؤاخذة على

نكث شيء من فتل ذلك الأمر المبرم يكون معلوما للناس إذا وقع بعد إطلاع

مجلس الشورى ومجلس النظار وسائر الناس على اقتراح المقترح.

ثم إن تعليم التاريخ الطبيعي (الأحياء) وتقويم البلدان يكون باللغة

الإنكليزية في السنة الثالثة الابتدائية والفرق بينها وبين السنة الثانية ليس كبيرا

وإنهم ليعلمون أنه لا يمكن أن يحصل التلميذ من اللغة الأجنبية في سنتين ما يتمكن

به من فهم العلوم الطبيعية فيها، ولذلك يعيدون عليه في السنة الثالثة من دروس

تقويم البلدان بالإنكليزية ما كان تعلمه بالعربية، فإن كان الغرض العلم فلا معنى لهذا

الرجوع القهقرى، وإن كان المراد اللغة العربية فالأوقات المخصصة لها ليست

بقليلة كما سنبينه في نبذة أخرى.

والوجه الثاني: (الضمانات الخمس) وهي لا تصلح دفعا لقول المفتي؛ لأنه

قال: إن عرض نظام التعليم على مجلس الشورى أكثر ضمانا أي: إن الخمس تكون

به ستا فإذا كان الناظر واثقا من إتقان نظام نظارته ويود أن تزداد إتقانا وارتقاء

فماذا يضره لو عرض ذلك على كل من له رأي من الناس وعلم رأيه؟ ثم هو يعلم

أن الحكومة أنشأت مجلس الشورى والجمعية العمومية لتعلم الأمة كيف تحكم

ولتجعل لها رأيا في قوانينها ونظاماتها لتكون أمة حية كأمم أوربا، حتى إذا ما

استعدت لذلك يكون كل شيء برأي مجلسها النائب عنها، فلماذا يبخل عليها ناظر

المعارف بالبحث في قوانين نظارته ونظام التعليم في مدارسها بواسطة أعضاء

مجلس الشورى الذين هم من خيارها كما أن نظار المدارس ومفتشيها من الخيار كما

قال وزيادة الخيار خير.

ولا يخفى عليه أن الأمة تثق بمجلس الشورى أكثر من ثقتها بأي مجلس من

مجالس الحكومة؛ لأنها تعتقد أن أعضاءه لا سلطان عليهم للسياسة؛ لأن الحكومة

وضعتهم للانتقاد على قوانينها، ولأنهم لا يتوقعون ضرا من مخالفة رغائبها.

أما (الضمانات الخمس) فهي في المعنى شيء واحد، وإن شئت قلت: لا

شيء؛ لأن العامل الذي تطلب الأمة الضمان على إتقان عمله هو نظارة المعارف،

فلا يصح أن تكون هي الضامنة لنفسها بأن عملها برأي الموظفين فيها. وذلك

التعدد في الضمانات لا تأثير له؛ لأن آراء المعلمين والناظرين والمفتشين يدغم

بعضها في بعض، ولا يعرض على مجلس النظار إلا ما يراه مجلس المعارف الأعلى

وحده فمجلس النظار لا يبحث في آراء أصحاب (الضمانات) الثلاث

ولا يعرفها. ذلك أن المعلمين يبدون آراءهم لنظار مدارسهم فيختار منها هؤلاء ما

يرضونه أو ما يرضون به، ويقدمونه للجنة العلمية فتمحو منه ما تشاء وتثبت ما

تشاء وترفعه إلى اللجنة العليا فتنسخ منه ما تشاء، وتقدم الباقي إلى مجلس النظار

فيصدق عليه. وإنما يتحقق الضمان من معلمي المدارس ونظارها ومنشئيها إذا

أعطوا حرية بأن يقولوا ما يرونه وكان يعمل بما يقولون أو يبين المانع من العمل

به وأعطوا مع ذلك ضمانا بأن من رأت اللجنة العلمية أو العالية خطأ رأيه فإنه لا

يؤاخذ سرا ولا جهرا.

ثم إن المفتي احتج على كون تلك (الضمانات) غير كافية بأمرين، أحدهما:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٥٥